• تسع ساعات في مصارعة الموت في البحر قبالة ليبيا

تسع ساعات في مصارعة الموت في البحر قبالة ليبيا

2015-08-28 16:43:39

امضى شيفاز حمزة تسع ساعات متعلقا مع والدته بقطعة خشبية في البحر قبالة ساحل ليبيا قبل ان يصل مركب خفر السواحل الليبي لانقاذه مع عشرات المهاجرين الاخرين. شيفاز تمكن من النجاة, لكن أمه وشقيقته توفيتا أمام عينيه.

والدة هذا الشاب الباكستاني من بين 76 شخصا على الاقل قضوا اثر غرق مركبهم الخميس امام مدينة زوارة على بعد حوالى 160 كلم غرب طرابلس, بحسب ما اعلن المتحدث باسم الهلال الاحمر الليبي محمد المصراتي لوكالة فرانس برس, لكن عدد الغرقى قد يكون أضعافا.

ففي جنيف, اعربت المفوضية العليا للاجئين التابعة للامم المتحدة عن خشيتها من ارتفاع حصيلة القتلى نظرا لان 200 شخص لا يزالون مفقودين بعد غرق هذا المركب ومركب اخر في المنطقة نفسها.

وقالت المفوضية العليا للاجئين في جنيف ان المركبين اللذين غرقا الاربعاء والخميس قبالة زوارة كانا ينقلان 500 راكب في الاجمال. وقالت المتحدثة باسم المفوضية مليسا فلمنغ "نعتقد ان 200 لا يزالون مفقودين ونخشى انهم غرقوا. مكتبنا في ليبيا يتحقق من الأمر مع خفر السواحل".

وقال المصراتي انه جرى انقاذ 198 شخصا من جنسيات عربية وافريقية في موقع الغرق, معربا عن خشيته من ان عشرات اخرين لا يزالون مفقودين. في حين قال مسؤول في جهاز خفر السواحل ان عدد ركاب المركب الذي غرق الخميس يقدر بما بين 300 الى 400 شخص.

وقال شيفاز (17 عاما) وهو يجلس الى جانب شقيقه على الارض في مركز امني قرب زوارة بين مجموعة من المهاجرين الذين جرى انقاذهم "انطلقنا عند نحو الساعة الواحدة والنصف فجرا (الخميس). كان مركبا خشبيا, على متنه نحو 350 شخصا, بينهم والدي, ووالدتي, وشقيقتي الصغرى (11 عاما), وشقيقتي الكبرى (27 عاما), وشقيقي (16 عاما)".

واضاف واضعا يده على جبينه وهو ينظر باتجاه الأرض, "بعد ساعة ونصف بدأ المركب يهتز, ثم بدأت المياه تتسرب إليه, وسرعان ما وجدنا انفسنا في البحر وقد تفكك المركب وتحول الى قطع خشبية. تمسكنا والدتي وانا باحدى هذه القطع, ولمحت شقيقي وشقيقتي الصغرى الى جانبي".

وتابع شيفاز "حاول أحدهم ان يتمسك بسترة النجاة التي كان يرتديها شقيقي على اعتبار انه لم يكن يملك واحدة, لكن شقيقي لكمه فابتعد. اما شقيقتي الصغرى, فقد وضع شخص يديه على كتفيها, وراح يدفعها ولمحتها للمرة الاخيرة تحت المياه وهو فوقها".

وتابع "تسع ساعات قضيتها مع امي في المياه, نتمسك بقطعة من الخشب. ظللت اقول لها ان الامور ستسير على ما يرام. لكن قبل وصول فرق الانقاذ بربع ساعة, فارقت الحياة. لقد توفيت بين يدي. طلبت من الرجل ان يسمح لي باخذ جثتها معي, لكنه رفض. امي ماتت. شقيقتي الصغرى ماتت".

وفي أثناء الحديث معه علم شيفاز أن والده وشقيقته الكبرى نجوا ونقلا الى المستشفى.

وتشهد ليبيا فوضى امنية ونزاعا مسلحا فاقما الهجرة غير الشرعية عبر سواحلها التي تفتقد الرقابة الفعالة في ظل الامكانات المحدودة لقوات خفر السواحل الليبية وانشغال السلطات بالنزاع المسلح الدائر في البلاد منذ عام.

ومع ساحل طوله الف و770 كلم, تعتبر ليبيا نقطة انطلاق المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط في رحلة محفوفة بالمخاطر للوصول الى اوروبا. ولا تبعد السواحل الليبية اكثر من 300 كلم عن جزيرة لامبيدوزا الايطالية, التي يتدفق عليها المهاجرون غير الشرعيين بالالاف وباعداد غير مسبوقة.

ووصل اكثر من 170 الف مهاجر غير شرعي من افريقيا والشرق الاوسط وجنوب Bسيا الى ايطاليا في 2014 بعدما تم انقاذهم في البحر المتوسط. اما مجموع الذين وصلوا في 2015 فقد وصل حاليا الى 108 Bلاف.

ووصل نحو 200 الف الى اليونان منذ بداية ,2015 وفق المفوضية العليا لللاجئين التابعة للامم المتحدة بينما لقي اكثر من 2500 شخص مصرعهم خلال عبورهم البحر للوصول الى اوروبا بمساعدة مهربين لقاء مبالغ كبيرة من المال. ولا يشمل هذا العدد ضحايا المركبين اللذين غرقا قبالة زوارة الاربعاء والخميس.

وفي المركز الامني قرب زوارة, على مسافة قريبة من شيفاز الذي كان يامل ب"فرصة افضل" لعائلته في ايطاليا بحسب ما يقول, يردد سامي مقصود الاتي من سوريا, مع صديق له اتى من غزة, على مسامع رجل الامن المشرف على المركز السؤال ذاته: "ماذا سيحل بنا?" من دون ان يحصلا على جواب.

وسامي (25 عاما) المتحدر من مدينة اللاذقية السورية, جاء الى ليبيا قبل اربع اشهر من الجزائر حيث كان يعمل منذ ثلاث سنوات.

ويقول سامي وقد اغرورقت عيناه بالدموع "قضى ثلاثة من اصدقائي امامي. رايتهم يموتون واحدا تلو الاخر بعدما انهكت قواهم".

ويضيف "لم ار عائلتي التي لجأت الى هولندا, منذ ثلاث سنوات. صعدت في المركب لاراهم بعدما لم اتمكن من الحصول على اذن بلم الشمل. رفض طلبي, فانتقلت من الموت في بلدي, الى الموت في البحر".

وتابع سامي وهو يبكي "تسع ساعات وانا افكر بعائلتي وبما سيحل بي. لماذا انا في البحر اموت, وهناك اناس تجلس في بيوتها مرتاحة? هل كتب علينا في سوريا ان نتنقل من موت الى موت? الله كريم على كل حال".

وقال احد الناجين لفرانس برس الجمعة انه واثنين من اصدقائه دفعا 1600 دولار لكل منهم مقابل ركوب المركب.

في هذه الأثناء على شاطىء زوارة, واصل مسعفو الهلال الاحمر الليبي عملهم بحثا عن الجثث حيث انتشرت على امتداد نحو كيلومترين الاحذية وبقايا الملابس وعبوات المياه البلاستيكية.

وتوقف الموكب بعد العثور على جثة رجل فنزل خمسة افراد من سيارة اسعاف يرتدون معاطف بيضاء ويغطون أفوههم بكمامات, ووضعوا الجثة في كيس بلاستيكي برتقالي, ونقلوها الى سيارة الاسعاف. وعلى بعد امتار قليلة, عثر الفريق على جثة ثانية, ثم على جثة ثالثة.

وقال المسؤول عن فرقة البحث صديق سعيد ان بعض الناجين قدروا عدد الركاب بنحو 400 على متن المركب الذي غرق صباح الخميس ولكن مركبا اخر غرق الاربعاء في المنطقة نفسها وعلى متنه 60 شخصا.

وقال سعيد "من الصعب حصر الاعداد بدقة, حتى عدد القتلى, يمكننا فقط احصاء اعداد الجثث التي ننتشلها".

واضاف "بتنا نقوم كل اسبوع بمهام اسعاف مماثلة. يموت العشرات قبالة هذا الشاطىء كل اسبوع".



صاحب المقال : محمد علي

المرجع : Annahar almaghribiya
إظافة تعليق