• إرهابيون مغاربة حجزوا تذكرة الذهاب إلى "جهنم"

إرهابيون مغاربة حجزوا تذكرة الذهاب إلى "جهنم"

2017-10-01 11:19:28

تحد جديد يفرض نفسه على المغرب اليوم. تحدي مواجهة الداعشية الرقمية. المغاربة في مقدمة متصفحي منشورات داعش على الشبكة العنكبوتية. التنظيم الإرهابي ينتج أسبوعيا حوالي 100 مادة إعلامية وفق مؤسسة بوليسي إكستشاينج. كثير من المواد الإعلامية تتحول إلى "بنزين" يحرق ما تبقى من عقل لدى بعض الشباب. فتكون الوجهة بؤر التوتر.
جيل جديد من الإرهابيين. جيل رابع. جيل وجد نفسه فريسة لمافيا دينية تتاجر بكل شيء. مافيا الهجرة السرية تعده بالجنة في أوروبا ومافيا الجهاديين تعده بالجنة في الآخرة وبأقصى سرعة ممكنة. الطريق إلى الجنة ومعانقة الحور العين ومعاقرة الخمرة ليس طويلا. لا يحتاج إلى تعب ونصب. فقط يتمنطق الشاب أو حتى الطفل بحزام ناسف. يغمض عينيه ويضغط على الزر فيجد الحوريات مصطفات لاستقباله في الجنة.
"الجنة تحت الظلام" فيلم عراقي يروي قصة مغربي يلتحق بتنظيم داعش. من إنتاج مؤسسة نور الغد. فاز بإحدى جوائز مهرجان الغدير للإعلام، الذي التأم أخيرا بالنجف الأشرف بالعراق. يبدأ الفيلم بلقطة عن جامع الفنا بمراكش مصحوبة بموسيقى شعبية. في مقهى يتلقى الشاب سعيد رسالة من عشيقته أو خطيبته تقول له: عزيزي سعيد، إنني ذاهبة غدا، نحن ذاهبون إلى سوريا. سنعيش بعدها في دولة الخلافة. لم يبق لديها الوقت لتودعه فأرسلت إليه هذا المكتوب. وأضافت في رسالتها أنها قالت لأبيها إن سعيد يريدها للزواج فأجابها: إن كان يريد ذلك فليأت إلى الشام ويطلب يدك. إنني أنتظرك في الشام يا سعيد.
يلتحق سعيد بأحد العناصر التي تستقطب المقاتلين لفائدة الجماعات التكفيرية بسوريا والعراق. لم يجد صعوبة في الحصول على الموافقة. أخبره أنه سيرسله في غضون أسبوع. يجمع سعيد حقيبته. لم يتمكن والده من ثنيه عن الذهاب إلى سوريا.
عند وصوله يتلقفه مكلف بتوصيل القادمين للقتال. يضطر سعيد للتخلي عن اسمه. هذا شرط للعيش في دولة الخلافة. سيحمل لقب أبو عمر الشامي. يصور الفيلم سعيد وهو يغادر بلدته في حالة نفسية كئيبة. لا ندري هل يريد أن يقول لنا إن الأمر يتعلق بتعلق سعيد بحبيبته أم تضليل وضباب أحدثته الأشرطة التي يستمع إليها. في السيارة ينصت لأحد الدعاة يهنيء القادمين لأرض المعركة.
لقطة تظهر سعيد في ارض الشام. يسحب جلاوزة هاتفه النقال. في جيبه يعثرون على ورقة. يسأله مسؤول عن الأمر. فيقول: إنها خطيبتي. انتفض في وجهه ووكزه على صدره: هنا أرض الجهاد وفي الجنة يكون لك ما تريد.
ليلا يتسلل سعيد إلى غرفة خطيبته بعد أن تكون قد خرجت لتلقى حتفها. يقرأ مكتوبا: سعيد أتمنى أن تقرأ هذا المكتوب لآخر مرة. أخبرته أن والدها قد قتل في اليوم الأول. وكل ليلة يتخذها واحد زوجة. تكتب له: أفتقدك أكثر من أي وقت مضى. لقد خدعنا باسم الدين.  
يتم إرسال سعيد إلى الموصل عند أبي قتادة. أعدوه لتفجير نفسه. يقول: لقد اسودت الدنيا في وجهي. لقد اتخذت قراري. في طريقه إلى الموصل كان يحمل معه قطعة القماش التي انتحرت بها مروة خطيبته. قرر في الأخير أن يتوب.
فيلم قصير من 11 دقيقة.  معالجة دقيقة لظاهرة الاستقطاب من قبل التكفيريين. رؤية فنية واضحة. زاوية نظر لا تخطئها العين. استعمال تقنيات كثيرة لإيصال الرسالة.
أثناء تقديم الجوائز بمقر كلية التربية التابعة لجامعة الكوفة تم عرض لقطة بسيطة. يثير اهتمام كل مغربي أن الفيلم يبدأ بلقطة من جامع الفنا بمراكش. عدت إلى الشريط فشاهدته كاملا. تساءلت: هل في ذلك إساءة للمغرب؟ سألت كثيرا ممن يهتمون بموضوع داعش عن الفيلم. ما يحيط به؟ هل هو رؤية للدواعش في كل مكان؟
الجواب: نعم.
ليس المغربي الذي يدخل العراق من بواباته الرئيسية يوجد على نفس المرتبة من المغربي الذي يدخل كاللص عن طريق معابر الجماعات الإرهابية. الفيلم مجرد معالجة لقصة تتكرر في كل البلاد العربية، وغير العربية.
المغرب عزز ترسانته القانونية في مكافحة الإرهاب بتعديلات جديدة تجرم المشاركة في القتال في بؤر التوتر أو الذهاب إليها. يعني أن العراقي فهم أن المغرب يعتبر كل مغربي يقاتل في العراق هو مجرم يحاسب على أفعاله حتى لو لم يرتكبها في المغرب.
أبو ياسين حشاش بني مكادة
في سوريا كان يسمى أبي البراء. في حي بني مكادة بطنجة يطلق عليه السلفيون أبو ياسين. تكفي جولة بسيطة في الحي المذكور ليحدثك من تلتقيه عن جولات وصولات للسلفيين قبل أن يتدخل الأمن لوضع حد لجماعة تزعم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قصة سعيد هي إبداع سينمائي. لكن قصة أبي ياسين حقيقية.
المعلومات التي حصلت عليها "النهار المغربية" تفيد أن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية وبالتنسيق مع باقي المصالح الأمنية من أجل محاربة الجريمة الإرهابية وتفكيك الخلايا المتطرفة تمكنت من توقيف أبي ياسين وابنه المبحوث عنهما من أجل تورطهما في قضايا إرهابية تتعلق بالتحاقهما بتنظيمات إرهابية بسوريا.
لم يكن أبو ياسين سوى تاجر مخدرات بحي بني مكادة. الجهادي، الذي ذهب إلى سوريا بحثا عن الحوريات أو لحوم مجاهدات النكاح، ذو سوابق قضائية. قبل أن يطلق لحيته ويحلق شاربه كان حشاشا.
اعترف بعظمة لسانه لدى المحققين بأنه تأثر بشقيقه الذي التحق بتنظيم القاعدة الإرهابي بالعراق. شقيقه كان طعما سائغا في يد قادة "الجهاد". قضى نحبه وهو ينفذ عملية انتحارية. هذه الوقائع دفعته لتوطيد علاقته بالتيار السلفي الجهادي بطنجة.
كان مدخله نحو التيار المتطرف أربعة شبان انخرطوا فيما في الحرب السورية. من أجل تقوية معارفه الدينية، حسب زعمه، كان يحضر دروسا دينية لبعض مشايخ السلفية بطنجة. شارك في لقاءات ذات طابع جهادي. ساهم في وقفات اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين.
لم يعد أبو ياسين مجرد عضو عادي. أصبح مكلفا بالإعلام. اهتم بتصوير الوقفات ونشرها على الفيسبوك. استعمل اسم "مراسل راصد" بطنجة. لكن اللقاء الحاسم كان مع أبي إبراهيم. دعاه لأرض "الجهاد" بسوريا. توجه إلى تركيا في مارس 2013. تم استقبالهم بأنطاكيا من طرف أبي إسماعيل السوري الذي قام بإدخالهم إلى منطقة الياماديا. توجه رأسا إلى مضافة البيت الأحمر التابعة لجبهة النصرة، فرع تنظيم القاعدة بسوريا. التقى هناك بمقاتلين مغاربة.
غادر النصرة نحو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). الانتقال الصعب بين معتقدات السلفية الجهادية. أصبح حارسا لمضافة المخفر.
لم يكتف أبو ياسين بالالتحاق بالنصرة. بعد ثلاثة أشهر تبعته العائلة. زوج بنته بأبي أحمد المصري. رفض الالتحاق بكتيبة المهاجرين المغاربة التي أسسها إبراهيم بنشقرون، المعتقل السابق في غوانتانامو.
بداية الحجيم كانت بوابة لرحلة متعبة. أصيبت زوجته بالقصور الكلوي وأصيب ابنه على مستوى يده اليمنى بسبب عدم تحكمه في الرشاش.  
ذهب أبو ياسين باحثا عن الجنة والحور العين. وجد الأوبئة والأمراض والأفاعي.
الذاهبون نحو أرض الخلافة يبحثون عن شيئين. الاستمتاع بمجاهدات النكاح. صدرت فتاوى فقهاء الفتنة في ذلك. أجازت تزويج المرأة الواحدة لعدد من الرجال في اليوم الواحد. أو الاستمتاع بالحور العين في الجنة. جواب أو أجوبة عن إشكالات نفسية ناتجة عن الكبت.
من مهن التمريض إلى صناعة العبوات الناسفة
في كل مرة يتم تفكيك خلية إرهابية من قبل المكتب المركزي للأبحاث القضائية نكتشف أن الجهاديين المغاربة تطوروا كثيرا وطوروا أداءهم بشكل ملفت. لقد كان دورهم في بداية الحرب الأفغانية على عهد الاتحاد السوفياتي يقتصر على مهن التمريض ونقل اللوجيستيك، لكنهم اليوم قادة في الصفوف الأولى للحركات المتطرفة بسوريا. اليوم نحن أمام جيل ولد بعد نهاية الحرب الأفغانية. جيل فتح عينيه على الثورة التقنية وثورة مواقع التواصل الاجتماعي. ابن العشرين الذي يقاتل اليوم أو يتطلع للقتال كان في بداية الربيع العربي لا يتجاوز عمره 14 سنة. هكذا اكتشف العالم وهكذا بدا له. فوضى في فوضى. لكن هو وجد أجوبته في تحقيق معراج سريع نحو الجنة بل نحو الحور العين. ولو تمكنا من إقناع الشباب الذين يذهبون ل"الجهاد" بأن الجنة ليس فيها حور عين وإنما تمجيد إلهي أبدي لانعطف أغلبهم نحو دور الدعارة.
هذا الجيل توفرت له المعلومات بشكل كثيف. وتوفرت له المعطيات. مافيات دينية تعلمه كلما يريد. من سطح منزل والديه يستطيع صناعة العبوات الناسفة. عبر الأنترنيت يتوصل بالوصفات. وبخلطات موجودة ومتوفرة يصنع القنبلة اليدوية ويصنع العبوة الناسفة والحزام القاتل من أجل تدمير الزمان والمكان. هو يعيش خارج الزمان والمكان. يختزل التاريخ بالقدر الذي ينتهك فيه الجغرافية.
ساعدهم الإعلام المشارك في الحرب. في قنوات دول نسمع عن الجيش السوري الحر، الذي يضم 83 جنسية وعن مليشيات النظام السوري. انتهاك للجغرافية بعد تحريف المفاهيم. يصبح هذا الشاب المتطلع لجنة الحور العين يعيش ضيقا في المكان حيث يرى أنه لا مناص له من الهجرة نحو أرض "الجهاد". أرض توفر له جوابا على كل أوهامه بل تعالج كل مكبوتاته. سوف يظفر هنا بمجاهدات النكاح وإذا مات سيظفر بسبعين من الحور العين ووصيفاتهم وقدرة جنسية لا تنتهي.
أرض "الجهاد" توفر له راتبا ومالا ومسكنا ودفئا. بل توفر له الانتصار على الذات. يتحول الجبان إلى قائد يحمل السلاح يرهبه الجميع ويقتحم الحارات ويسبي النساء.
ما توفر لهذا الجيل من الجهاديين لم يتوفر لغيره من الأجيال التي سبقته. اجتمعت له كل ما يريد. لعبة الأمم التي اقتضت تجميعهم في أرض خصبة وأموال وفيرة ودول داعمة وخبرات طويلة تم مزجها في اللحظة الراهنة.
شارك من المغرب كثيرون. هم أيضا يختلفون عن الأجيال السابقة. يمكن تسميهم الجيل الرابع من الجهاديين.
بخلاف باقي الأجيال السابقة إنه جيل جرب المفخخات وصناعتها. تعامل بالسلاح تفكيكا وتركيبا. تدرب على حرب الشوارع. واجه جيشا قويا. فالجيش السوري يحمل عقائد وليس جيشا وظيفيا. فهو مكون من طلائع البعث وشبيبته وبالتالي هو يحمل إيديولوجية. جيش من هذا النوع يكون مختلفا عن الجيوش الأخرى في المراس وفي الحروب.
الجيل الجديد من الجهاديين، الذي هو الآن في مصنع التكوين بسوريا، تحول من الخلايا العنقودية لتنظيم القاعدة إلى تشكيل جيش كامل في إحدى الحالات. إنها حالة شام الإسلام التي أسسها إبراهيم بنشقرون العلمي. هذا الأخير قُتل في أحراش سوريا فيما سمي معركة الأنفال، التي تم تنفيذها بعبور آلاف الجهاديين من تركيا. تكون في أفغانستان وتشرب الكراهية في معتقل غوانتانامو.
غوانتانامو هو بمثابة "الجهاد" الذي يأكل أبناءه. فبنشقرون ومن شاكله ذهب إلى أفغانستان تحت سمع ورؤى أمريكا. يومها كان "الشيخ المجاهد" أسامة بن لادن يشرف على معسكرات تدريب المجاهدين العرب برعاية المخابرات الأمريكية والباكستانية. كان الشعار هو محاربة الغزو السوفياتي الملحد.
أتى الجهاد أكله واندحر السوفيات وسقط القطب المعادل لأمريكا وانفردت أمريكا بالعالم. فأكل الجهاد الأمريكي أبناءه. ومع بداية قضم وتقليم أظافر المجاهدين انشق أسامة بن لادن.
إبراهيم بنشقرون واحد ممن أكلهم الجهاد وهم من أبنائه.
اليوم يتحدث الكثيرون عن توبة المقاتلين المغاربة بسوريا. توبة بحجم الخسارة.
فكلما فشل مشروع إرهابي يعود الجهاديون ومن يدعمهم إلى الحديث عن التوبة. فلو نجح المشروع الإرهابي، الذي تمخضت عنه أحداث 16 ماي العنيفة، وحقق أهدافه، لا قدر الله، هل كنا سنسمع عن وثيقة أنصفونا وهل كنا سنسمع عن وثيقة المراجعات لحسن الخطاب وعن غيرها من الوثائق التي تتحدث عن مراجعة الأفكار؟
المراجعات يقوم بها الإنسان المنتصر أو الذي يوجد في ظروف عادية، لكن الذي انهزم فحديثه عن المراجعات، حتى لو كان صادقا فهو من باب الانحناء للعاصفة.
فالمراجعات أنتجت عددا من الخارجين من السجن. أغلبهم ذهب إلى سوريا للقتال. انضم بعضهم لجبهة النصرة وانضم آخرون للدولة الإسلامية في العراق والشام، وقاتل بعضهم بعضا، وأسس آخرون حركة شام الإسلام. وقتل من بينهم إبراهيم بنشقرون وآنس الحلوي، الناطق الرسمي السابق باسم اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين.
قائدهم العسكري
تتلمذ الجهاديون المغاربة على يد كثيرين من جنيرالات الشر والإرهاب. وعلى رأسهم أبو مصعب السوري. التركيز على هذا الشخص هو من أجل معرفة نتائج التحول في القيادة من أفغانستان إلى البلدان العربية وخصوصا الشام مع أبو مصعب والعراق مع أبي بكر البغدادي. ولهذا تأثيره الكبير في التحولات التي يعرفها الجهاديون.
فأبو مصعب السوري هو مصطفى الرفاعي درس في كلية الهندسة الميكانيكية في جامعة حلب والتحق سنة 1980 بتنظيم الطليعة المقاتلة الذي أسسه مروان حديد في سورية، وهو الجناح المسلح للإخوان المسلمين .
وهاجر إلى الأردن إثر انتكاسة المواجهة المسلحة مع الجيش العربي السوري. والتحق بتنظيم الإخوان المسلمين، وعمل مدربا في الجهاز العسكري للتنظيم في قواعده في الأردن، وفي معسكراته في بغداد 1980- 1982  وعرف أيامها باسم  أبو العبد. وتلقى عددا من الدورات العسكرية بإشراف ضباط فارين من الجيش السوري في الأردن .
كما تلقى تدريبا لدى الجيش العراقي في بغداد والنظام المصري في القاهرة . حيث كان الإخوان المسلمون قد استفادوا من صراع النظام العراقي والمصري مع النظام السوري في حينها . وتخصص في علم هندسة المتفجرات وحرب عصابات المدن والعمليات الخاصة .
وأثناء معارك حماة سنة 1982 . عينت قيادة تنظيم الإخوان المسلمين المقيمة في بغداد أبو مصعب عضوا في القيادة العسكرية العليا بإمارة  الشيخ سعيد حوى  ونائبا للمسؤول عن منطقة شمال غرب سوريا.
إثر دمار مدينة حماة وانهيار برنامج المواجهة مع النظام السوري . أعلن أبو مصعب انفصاله عن تنظيم الإخوان المسلمين احتجاجا على إبرامهم التحالف الوطني  مع الأحزاب العلمانية والشيوعية والفرع العراقي لحزب البعث  واحتجاجا على ما اسماه الفساد وسوء الإدارة لدى الإخوان واعتبرهم مسؤولين عن دمار حماة وفشل وإجهاض الثورة الجهادية. وسجل فيما بعد تفاصيل ذلك في كتابه المشهور والذي أرَّخ فيه لتاريخ تلك التجربة السورية ودروسها .
ثم استقر في فرنسا محاولا إتمام دراسته هناك سنة 1983- 1985 ، ولكنه ما لبث أن قطع دراسته ليشارك في محاولة  الشيخ عدنان عقلة إعادة بناء الجهاد في سورية. وإثر فشل تلك المحاولة واعتقال عدنان عقلة ومعظم من تبقى من الطليعة  تفرغ لمحاولة تشكيل تنظيم جهادي سوري جديد سنة 1985، ثم هاجر إلى أسبانيا واستقر فيها. وقد قادته تلك المحاولة إلى أفغانستان سنة 1987 بحثا عن ساحة للإعداد ولجمع المعونات لتلك المحاولة التي لم يكتب لها النجاح.
وفي باكستان تعرف على عبد الله عزام الذي أقنعه بالانضمام إلى الأفغان العرب وخلال تلك المدة تعرف أبو مصعب السوري إلى أسامة بن لادن والتحق بتنظيم القاعدة في بداية تأسيسه سنة 1988 وكان أحد المقربين من أسامة خلال مرحلة الجهاد الأفغاني  1988-1991 .
وبالتالي يكون ابو مصعب السوري واسطة عقد أجيال الجهاديين، ومنهم الجهاديون المغاربة.
انكب أبو مصعب السوري خلال فترة الجهاد الأفغاني على دراسة الكتب الشرعية وخاصة كتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم واهتم بتراث علماء السلفية وكتب أئمة الدعوة النجدية واهتم بمطالعة كتابات سيد قطب وعبد الله عزام وتأثر بهما تأثراً بالغاً في منهجه وكتاباته.
وسافر إلى بريطانيا بناء على دعوة قاري سعيد الجزائري الذي عاد من أفغانستان إلى الجزائر ليشارك في تأسيس "الجماعة الإسلامية المسلحة" فمكث في لندن وعمل مع الخلية الإعلامية الداعمة للقتال الجزائري وكتب في نشرة الأنصار الجزائرية وغيرها من نشرات الجماعات الجهادية التي كانت تصدر من أوروبا خلال تلك الفترة وخاصة "الفجر" الليبية و"المجاهدون" المصرية.
وعلى إثر نجاح حركة طالبان في إقامة الإمارة الإسلامية هاجر إلى أفغانستان وبايع ملا محمد عمر في قندهار وشكل مجموعة عملت ميدانياً مع الطالبان كما عمل أبو مصعب مع وزارة الإعلام وكتب في جريدة "الشريعة" الناطقة الرسمية باسم الإمارة وشارك في إعداد برامج إذاعة كابل العربية. وأسس في أفغانستان "معسكر الغرباء" في قاعدة "قرغة" العسكرية الشهيرة في كابل بتعاون مع وزارة دفاع الطالبان، وقد تعرض هذا المعسكر إلى تدمير الطائرات الأمريكية بالكامل أثناء هجومها على الإمارة الإسلامية إثر أحداث شتنبر.
يعتبر أبو مصعب السوري واحد من ابرز أساتذة الجيل الرابع من الجهاديين المغاربة، الذين انتموا سواء لجبهة النصرة أو لباقي المجموعات المقاتلة، أما الذين انتموا إلى تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام فنموذجهم هو أبو بكر البغدادي، الذي ما زال شخصا غامضا ومجهولا.
تتلمذ الجهاديون المغاربة على يد كثير من قادة التنظيمات الإرهابية، لكن تركيزنا على أبي مصعب السوري هو من أجل معرفة طبيعة النموذج الذي يتخذه الجهاديون المغاربة منارة في طريقهم. إنه أحد أشرس المقاتلين العرب. وواحد ممن نشأ وسط الفكر السلفي الجهادي بل أصبح منظرا له. ويعتبر كتابه "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية" إنجيلا للحركات الجهادية في العالم العربي والإسلامي. ومنه نهل الجهاديون المغاربة وهو اليوم بمثابة كتاب معالم في الطريق بالنسبة للحركة الإسلامية في السبعينات والثمانينات.
شياطين يبحثون عن الجنة
المعركة التي يخوضها مغاربة سوريا ليست من أجل إسقاط النظام في هذا البلد خصوصا بعد أن تأكد لديهم استحالة التدخل الأجنبي مثلما حدث في ليبيا، ولكن هي مرحلة انتقالية من أجل الدربة واستيعاب الدروس القتالية، أي من أجل فتل عضلات المجاهدين من أجل أمر مهم لديهم. هل كان إبراهيم بنشقرون العلمي مؤسس حركة شام الإسلام، المقتول على يد الجيش السوري، يريد نصرة إخوانه في سوريا أم كان يريد استغلال الوضع هناك لتدريب تنظيم متكامل على القتال حين العودة للمغرب؟
قراءة سريعة في سيرته تبين أن هدف الرجل هو المغرب وليس أفغانستان أو العراق أو سوريا.
فبنشقرون، المقتول على يد الجيش السوري،  ينحدر من مدينة الدار البيضاء، وكان ضمن لائحة المغاربة المعتقلين بغوانتانامو، حيث قضى بنشقرون وقتا في أفغانستان، وبعد تفجيرات التوين سانتر بالولايات المتحدة الأميريكية، تم اعتقاله رفقة عدد من المغاربة والعرب على الأراضي الباكستانية وتم تسليمهم للقوات الأمريكية، وكان يحمل حينها لقب أبو أحمد المهاجر.
وقامت السلطات الأمريكية بتسليم بن شقرون وعدد من المغاربة الآخرين الى المغرب سنة 2004، وتم نقلهم الى سجن سلا، حيث تقرر متابعتهم بتهمة المس بأمن الدولة والانتماء إلى عصابة إجرامية. واتهمتهم المحكمة أيضًا بتلقي تدريبات على استخدام الأسلحة وصناعة متفجرات، بالإضافة إلى تهمة التستر على أعضاء مغاربة في تنظيم "الجماعة المغربية المقاتلة".
وأعيد اعتقال بنشقرون، بعد أن كان قد حصل على السراح المؤقت في المحاكمة المذكورة، وهذه المرة رفقة محمد مزوز، بتهمة تكوين خلية إرهابية يشتبه في ارتباطها بتنظيم متطرف له علاقة بتنظيم القاعدة، ومن ضمن المعتقلين طالب مغربي سابق بسوريا يسمى خالد إزيك عاد للتو إلى المغرب، وقام بربط اتصالات بالأفغان المغاربة من بينهم بنشقرون ومزوز.
ووجهت المحكمة لهذه الخلية تهمة "الانتماء لعصابة إجرامية وعدم التبليغ بجريمة المس بأمن الدولة ومساعدة عصابة من المجرمين، عبر تحويل وتسليم أموال لمغاربة يقومون بأفعال ضد مصالح المغرب وتزوير جواز سفر مستعمل".
انتهت أطوار المحاكمة بالحكم بست سنوات على بنشقرون، وبعد مغادرته السجن غادر إلى سوريا عبر تركيا وبدعم من مخابرات أردوغان وشكل حركة شام الإسلام، حيث التحق به العديد من المعتقلين "الجهاديين" سابقا وعلى رأسهم آنس الحلوي، الناطق الرسمي السابق باسم لجنة الدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، حيث قتلا معا في معارك مع الجيش السوري بريف اللاذقية.
فميثاق الحركة ملتبس، يخلط الحق بالباطل، وبالنتيجة هو كله باطل ما دام الهدف هو تخريب بلد كان آمنا مطمئنا، وجاء في ميثاق الحركة "في هذا السياق التاريخي الهام ومن أرض الشام المباركة، التي تشهد قومة باسلة ضد النظام النصيري المجرم، الذي أفسد الدين والدنيا وصال على أعراض ودماء المسلمين، نشأت حركة شام الإسلام لتقوية شوكة أهل الحق وفرسان الجهاد وتطوير العمل الجهادي والرقيِّ به إلى مستوى المرحلة التي تمر بها الأمة اليوم، ليشمل كل مسلم خرج ليدفع الظلم و يرفعه عن أمته وذلك بتهييء الظروف الملائمة لاستيعاب كل فئات المجتمع، والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يحول بيننا وبينه من أوضاع ومسميات أو أن يعرقل الاندماج الذي من خلاله نستطيع النفاذ في عموم أمتنا المسلمة نصحا ودعوة أخذا بيدها إلى المسار الصحيح بطرح شمولي يمس متطلبات المرحلة من جهاد ودعوة وتدبير لشؤون الناس على منهاج الرحمة المهداة، عليه الصلاة والسلام مع مراعاة واعتبار سنوات الإفساد في الأرض للنظام النصيري المجرم وتجهيل إخواننا حتى عن المعلوم من الدين بالضرورة".
واستعادت الحركة جزءا كبيرا من الاجتهادات الكلامية لأبي الأعلى المودودي وسيد قطب حول مفهوم حكم الله وحاكمية الإسلام والشريعة، حيث أكدت الحركة في ميثاقها على مبادئ كلامية موجودة في كتابات السلفيين عموما.
نقرأ في الميثاق:
نؤمن بالله وحده لا شريك له وبما جاء من عند الله على مراد الله وبما جاء من عند رسوله على مراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
لا مشرع بحق إلا الله تعالى ونبرأ ونخلع ونكفر بكل مشرع سواه فإن من اتخذ حكما أو مشرعا غير الله تعالى على تشريع مناقض لشرعه سبحانه فقد اتخذ غير الله ربا وابتغى غير الإسلام دينا. وحكمنا وسط ما بين الغلو والإرجاء، هادمين صنم العصر التشريع من دون الله ومرسخين حاكمية رب العباد بين العباد ناشرين ابتغاء العزة إلا به جل في علاه دون الطواغيت والأنداد.
العودة من الحجيم
الجيل الجديد من الجهاديين المغاربة لم يعد هو نفسه الجيل السابق. فقبل الحرب السورية كان أغلب الجهاديين المغاربة في الصفوف الخلفية، ونادرا ما يكون منهم مقاتلون، بل إن أغلبهم كانوا يشتغلون في اللوجيستيك. أما اليوم فإننا أمام جيل آخر. جيل لا يحد طموحاته شيء. تدرب على القتل وعلى السلاح والحرب. جيل أصبح في الصفوف الأمامية.
وحسب المعلومات التي أوردها وزير الداخلية السابق فإن الأمر من الخطورة بمكان. حيث فجّر مفاجأة من العيار الثقيل، حين أعلن عن وجود ثلاثة وزارء مغاربة في حكومة "الدولة الإسلامية" التي يرأسها "الخليفة" أبوبكر البغدادي، وقال إن عدد المغاربة الذي ذهبوا إلى سوريا والعراق بلغ 1122 عنصرا.
الخطاب كان موجها للشاكين والمشككين. فلو عولنا على الخطاب "الحقوقي" لكانت النصرة وداعش وشام الإسلام وأخواتهما تقف على أبوابنا. لكن ولله الحمد والمنة فإن الدولة ومؤسساتها ونواتها الصلبة في يد من يحب الوطن ويحرص على أمنه مهما كانت الظروف. وقال الوزير إن عددا من المغاربة يتبوأون مناصب رفيعة في "الدولة الإسلامية"، بينهم وزير "عدل" التنظيم (القاضي الشرعي)، ومسؤول الحدود الترابية (بمثابة وزير داخلية) وأمير اللجنة المالية (وزير المالية)، وأمراء مناطق (ولاة) من بينهم أمير منطقة تدعى "جبل تركمان" في سوريا. ومضى الوزير يقول إن "عدد مهما من المقاتلين يحتلون مراكز قيادية ولا يخفون نيتهم استهداف المغرب، وهو ما يشكل قلقا للمغرب"،  مسجلا أن "المقلق أيضا هو إقبال المغاربة على تنفيذ العمليات الانتحارية، إذ تم إحصاء أزيد من 20 مغربيا قاموا بذلك". ورفض أثناء إجابته عن أسئلة الفرق البرلمانية حول "التهديدات الإرهابية التي تستهدف المغرب"، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، الكشف عن أسماء القياديين المغاربة، مفضلا الاكتفاء بذكر رتبهم داخل التنظيم. وأفاد الوزير بأن المعلومات المتوفرة، تفيد بأن عددا من هؤلاء المقاتلين، لا يخفون نيتهم تنفيذ مخطط إرهابي يستهدف المملكة، وقد يساعدهم في ذلك التجربة التي راكموها في مجال إعداد المتفجرات وتقنيات الحرب واستعمال الأسلحة الثقيلة، والتكوينات التي استفادوا منها في مجالات عسكرية متعددة. وكشف، لأول مرة عن العدد الحقيقي للمغاربة الذين انتقلوا إلى سوريا والعراق من أجل الجهاد، قائلا إن "أزيد من 1122 مغربيا غادروا المغرب ليقاتلوا في سوريا والعراق، ويرتفع العدد إلى ما بين 1500 و2000 مغربي إذا أضفنا بعض المغاربة الذين التحقوا بالمنطقة انطلاقا من أوروبا". واعتبر أنه "من بين 1122 مغاربيا يقاتل هناك، توفي أكثر من 200 منهم، و128 رجعوا للمغرب وألقي القبض عليهم ويجري التحقيق معهم". وشدد على أن "المعلومات الاستخباراتية المتوفرة تفيد بوجود تهديد إرهابي جدي موجه ضد المملكة يرتبط خصوصا بتزايد عدد المغاربة المنتمين إلى صفوف التنظيمات بسوريا والعراق". وتابع بأن "الإعلان عن "دولة" تنظيم "داعش" يشكل تطورا لخطر التهديد الإرهابي، وخطورته ترتبط بمجموعة من العوامل، خصوصا أن التنظيم يريد أن يسيطر على كل الدول الإسلامية، وبدأت الاستراتيجية في سوريا والعراق وهو يخطط للاعتداء على دول الجوار". وأضاف قائلا: "هناك تطور كبير لاستقطاب العرب، والمعطيات تؤكد وجود 10 آلاف من دول عربية وأوروبية، جزء من هؤلاء مغاربة"، مبرزا أن "الخطورة أيضا تكمن في وجود منظمات إرهابية بالجزائر ومالي وليبيا ولها نفس التوجهات. والوضعية الأمنية التي تعرفها دول شمال أفريقيا، تعزز مخاوف المغرب". واعتبر الوزير أنه من "المحتمل أن يلجا هؤلاء إلى الاستعانة بخدمات المجموعات الإرهابية التي تنشط بدول شمال إفريقيا أو بعض المتطرفين المغاربة الذين أعلنوا ولاءهم لتنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام". وبحسب الوزير، فقد "وردت معلومات أخرى تشير إلى سعي مجموعات إرهابية إلى صنع متفجرات غير قابلة للكشف بواسطة أجهزة المراقبة الإلكترونية". وكانت الحكومة المغربية قد تدارست موضوع التهديدات الإرهابية المحتملة بعد إعلان "داعش" إقامة "دولة الخلافة الإسلامية"، معلنة عن مجموعة من الإجراءات التي تم اتخاذها لمواجهة هذه التهديدات الإرهابية الجديدة ولحماية أمن المواطنين وممتلكاتهم. الفرق بين جيلين واضح. من حيث المكانة والاعتبار هناك فروقات كبيرة. فرق بين جيل كان في الصفوف الخلفية وفي خدمة أمراء الإرهاب وبين جيل هو نفسه يتولى إمارة الإرهاب.
لا يهمنا هذا النوع من المغاربة الذين يوجدون خارج البلاد. فنحن يهمنا المغربي المهاجر الذي يشغل مناصب مهمة وحساسة في مؤسسات ذات بعد إنساني أو صناعي تقني أو غيرها، لكن هؤلاء كلما سحقتهم الآلة العسكرية حيث يوجدون فعلينا أن نشكرها.
عودتهم تشكل خطرا داهما. الجيل الأول لما كان يعود كثيرون منهم يفكرون في حياتهم الاجتماعية على بساطتها ونادر ما خرج منهم بعض الانتحاريين مثلما حصل في 16 ماي. لكن الجيل الحالي جيل الأمراء لن يقنع بغير حياة أمراء الحرب مع ما تتيحه من سطوة ومن وفرة في السبايا ومجاهدات النكاح. فهل سيخلدون للصمت إذا عادوا؟


صاحب المقال : Annahar almaghribiya

المرجع : Annahar almaghribiya
إظافة تعليق