•  أباطرة المحروقات والثروة الفاحشة

أباطرة المحروقات والثروة الفاحشة

2017-05-15 11:32:06

حقق الفاعلون في قطاع المحروقات ثروة طائلة في وقت سريع غداة تحرير القطاع في 2015 في عهد حكومة بنكيران ، وهو التحرير الذي جرى لفائدة هؤلاء الفاعلين على حساب المستهلك،الذي أصبح يتحمل عبئ الارتفاع في الاسعار الدولية دون أن تنعكس عليه الانخفاضات الكبرى للاسعارالدولية ، وكل ذلك  أمام غياب تام لتدخل الدولة، وصمت رهيب لها
 ومنذ أن رفعت الدولة يدها على أسعار الغازوال والبنزين في 2015 لم يتوقف الفاعلون في قطاع المحروقات على غرار "إفريقيا" و "فيفيو إينيرجي" و"طوطال المغرب" و"وينكسو" و"بيتروم" وآخرون من الاغتناء أكثر فأكثر، وبنسبة ربحية غير مسبوقة في تاريخ المحروقات بالمغرب.
كمثال على الغنى الفاحش لهذه الشركات بعد تحرير القطاع ، نَسُوق مثال شركة "طوطال المغرب" ،الفاعل الثالث في منظومة الفاعلين بقطاع المحروقات بالمغرب،حيث تمكّن  خلال 2016 ،السنة التي كان أصبح فيها القطاع محررا من تحقيق هامش للاستغلال بلغت نسبته14.7 في المائة ، وهو هامش يفوق أكثر من مرتين الهامش الذي تم تحقيقه خلال السنة التي قبلها، 2015 حيث توقف هدا الهامش عند 6.4 في المائة.الاكثر من ذلك، فإن الأرباح المسجلة لدى هذه الشركة خلال 2016 ارتفعت ثلاث مرات على ما كانت عليه في 2015، دلك أن هذه الأرباح انتقلت من 289 مليون درهم إلى 879 مليون درهم بين السنتين، وهو رقم خيالي صدم سوق المحروقات بعد إعلان النتائج السنوية لهذه الشركة التي يفرض عليها قانون إدراجها بالبورصة في ماي 2015 إعلان حساباتها إلى الرأي العام.
 ما يقال عن المنحى التصاعدي لفائدة " طوطال المغرب" يقال عن "فيفيو إينيرجي"،الفاعل الثاني من حيث الأهمية داخل منظومة الفاعلين بقطاع المحروقات بالمغرب، التي تسوّق منتوجات" شال" ، حيت ارتفع الهامش الخام لهذه الشركة  بمعدل مرتين في ظرف سنة واحدة ، من 36.2 دولار للمتر المكعب الواحد خلال 2015 إلى 22.6 دولار للمتر المكعب الواحد خلال 2016،في نفس الوقت انتقل هامش الأرباح لهده الشركة بقرابة ثلاث مرات خلال سنة واحدة ، حيث انتقلت هذه الأرباح من 22 مليون دولار في نهاية 2015 إلى 58 مليون دولار عند متم 2016، وهو هامش ربح ليس شاسعا فقط ،وإنما يتجاوز بكثير نسب الأرباح في اقتصاديات دول يمكن مقارنتها بالمغرب كما هو الحال بالنسبة لجنوب إفريقيا التي لا يتجاوز فيها  هامش تسويق المتر مكعب 30 دولار لدى فرع شركة " شال " هناك.

الغنى ما بين السّطو وتدارك السنوات العجاف
 فبعد تحرير أسعار المحروقات في 2015، فُتح أمام  الفاعلين في هذا القطاع الباب على مصراعيه لتحقيق ثروة طائلة، وبموجبه اغتنوا غنى ما قبله و لا بعده غنى، حيث فيما يؤكد أحد الفاعلين ،لم يكشف عن اسمه، على أن الفرصة  مواتية لتدارك السنوات العجاف، اعتبر العديد من المحللين في عالم المال و خبراء في القطاع أن الأمر يتعلق بسطو انطلاقا من مضخات التزويد ( محطات المحروقات). فبعد أن تخلت الدولة على نظام التسعير(تحديد الأسعار)، أصبح الفاعلون أحرارا في نهج سياسة للأسعار، تسير في صالحهم و لا تسير أبدا في صالح المستهلك، ودلك على الرغم من ارتفاع أصوات  النقد والاحتجاج  ضد تصرفات الفاعلين بالقطاع ، تصرفات لم تتجاوب أبدا مع التأثير الإيجابي  لتقلبات أسعار البترول بالسوق الدولية على أثمان المحروقات بكل أنواعها عند التزود من مضخات المحطات داخل المغرب، الشيء الذي يمكن الفاعلين من تحقيق هوامش إضافية كبيرة من الربح على حساب المستهلكين ،والشيء الذي يتأكد أيضا عند مقارنة تطور الأثمان للمادة الخام و وأثمان المنتوج النهائي. المثال الأكثر وضوحا في هدا الباب يتأكد مما تم تسجيله خلال دجنبر 2015، الشهر الأول من دخول قطاع المحروقات مرحلة تحريرالأسعار،ذلك أنه في الوقت الدي انخفضت فيه أسعار غازوال روتردام المكرر(السوق المرجعي للمستوردين المغاربة) بأكثر من 20 في المائة  لم تنخفض أسعار هذا المنتوج في محطات التزود بالوقود بالمغرب إلا بـ0.89 في المائة.نفس الشيء في يناير 2016 ،أي بعد عام على دخول المغرب مرحلة تحرير أسعار المحروقات حيث واصلت أسعار الغازوال انخفاضها باكثر من 17 في المائة بينما لم تنخفض أسعار نفس المائة عند التزود بالمحطات إلا بنسبة 2.56 في المائة.
لغز المخزون ولعنة الفارقبين السعر
لا ينكر الفاعلون بقطاع المحروقات  هده المعطيات و هده الأحداث و التصرفات لكنهم يقاربونها بما يعتبرونه " هيكلة للاثمان"، ذلك انه من الطبيعي، في نظرهم، ألا يؤثر  أثمان البترول أوالمنتوجات المكررة بالضرورة على الأثمان عند البيع إلى المستهلك لان نصف ثمن المنتوج من  المحروقات  فقط  هو الذي يخضع لسعر البترول المكرر، و الباقي يدخل في باب الضرائب التي لا تنخفض و في باب نسبة صرف الدرهم مقابل الدولار، وهي النسبة التي قدرت في 2 في المائة خلال 2016 وساهمت في غلاء مشتريات المنتجات المكررة.
 أضف إلى ذلك هناك دائما فارق زمني ( تغير)بين انخفاض سعر المادة وانخفاض سعر المنتوج النهائي، حيث لا بد من مراعاة الوقت الذي يتم فيه نقل الغازوال أو البنزين المكرر و تخزينه و إعادة نقله من جديد تم توزيعه.فالفارق يساوي ،والحالة هاته، المخزون الذي يغطي متوسطا من 15 يوما، يفسر مسؤول بأحد مؤسسات التوزيع.
وبما ان الفاعلين لا ينطلقون أبدا من مخزون يعادل صفرا، فإن ثمن التزويد المأخود بعين الاعتبار بخصوص الثمن عند محطة التزود هو سعر البضاعة التي تم شراؤها  في وقت معين، لكنه في نفس الوقت يعادل المتوسط بين المشتريات الجديدة و المخزونات المتوفرة ، مما يعني أن "المخزونات تختلط "وسعر التزويد عند المحطة يخضع للمخزونات المتوفرة منذ وقت سابق.وكمثال حي على ذلك فعندما ارتفعت  أثمان الغازوال المكرر بنسبة 14.4 في المائة في ماي 2016رفع الموزعون السعر في محطات التزود بالوقود بنسبة 10 في المائة، و الخلاصة هي أن ارتفاع الأثمان بالسوق الدولية يتحمل  المستهلكون عبئها في الحين و بشكل كامل أو شبه كامل ، بينما في حال انخفاض الأسعار الدولية يسارع الفاعلون أولا إلى تصريف ما اشتروه من مخزونات بثمن منخفض، بأسعار أكثر ارتفاعا، وهنا نفهم الفارق أوالتغير الذي يفسر انفجار هامش الأرباح لدى الفاعلين على حساب المستهلكين.
 ولفهم هذا المعطى ،تم حساب العلاقة بين الغازوال المكرر مند دخول المغرب مرحلة تحرير الأسعار وبين متوسط الأسعار المطبق في محطات التزود من طرف مختلف الفاعلين في القطاع. نتيجة هذا الحساب تبين ان  العلاقة الإجمالية بين الأسعار بالأسواق الدولية  والأثمان لدى محطات التزود هي 0.78 في المائة علما ان أسعار غازوال روتردام تنعكس بشكل عام بنسبة 78 في المائة على السعر النهائي، غير أن المعامل يصعد إلى 0.88 في المائة حينما يتعلق الأمر بالارتفاع ، و إلى 0.76 في المائة  فقط في حالة الانخفاض، بمعنى آخر حينما ترتفع الأسعار بسوق روتردام  يستفيد الموزعون من 88 في المائة من الارتفاع في الأسعارعند تزويد المستهلكين بالمحطات و حينما يكون الانخفاض بسوق روتردام فإن الأرباح محددة لدى المحطات في 76 في المائة.
 هذه الأرقام و المعطيات تم تقديمها إلى فاعل في القطاع فكان رده فيه الكثير من القسوة على المستهلك حيث أكد ما مفاده انه  من السهل جدا أن ينعكس الارتفاع في الأسعار على المستهلك على أن تعكس عليه الانخفاض لأنه من غير الممكن بيع المخزون المتوفر بالخسارة في حال انخفاض الأسعار الدولية. أما في حال الارتفاع فإن السعر المرجعي للتجديد الذي يفرض نفسه كأولوية في الضغط على المستهلك يضيف هذا المسؤول. وفي ذلك اعترافات بان المستهلك يوجد تحت  رحمة تدبير المخاطر المتعلقة بالمخزونات، لكن و إذا كان تدبير مخاطر المخزونات لابد منه ، فلا يمكن ان يتم بهدف تحقيق الاستفادة الكبرى لصالح الفاعلين في القطاع على حساب المستهلكين.
 هذه المفارقة الغريبة كان عبد اللطيف الجواهري والي بنك المغرب قد أشار إليها في أعقاب انعقاد المجلس الفصلي للبنك المركزي في أواخر شتنبر الماضي حين أكد  ما مفاده على ان أرقام هذه المؤسسة و حساباتها تعطي الانطباع على ان انخفاض الأسعار الدولية لا انعكاسات لها
الدولة الغائب الأكبر في المعادلة  
لا تعليق للدولة في ما يخص ضرورة الانعكاسات الإيجابية لانخفاض الأسعار الدولية على السوق المحلية وهو ما تمت ملاحظته من تضارب في التصريحات و بين الصمت المطبق من طرف المسؤولين .مصدر  مقرب من الملف قال إن الأمر يتطلب أن تتعمم النتائج النهائية لجميع الفاعلين في القطاع لاتضاح الرؤية،مشددا على أن القطاع حر في أن يختار هيكلة الأثمان التي تناسبه و التي لها علاقة ببنية الأسعار، مما يعني باختصار أن تطور الأسعار و تطور أرباح الفاعلين ليست قضية الدولة. لكنه أضاف  إن المناسبة غير مواتية للخوض في هذا الموضوع، حتى لا يكتسي الموضوع جدلا سياسيا.
الرسالة مفهومة ، فالأمر يتعلق بإشكالية اقتصادية ،فالغنى الفاحش والسريع  للفاعلين في قطاع المحروقات بعد تحريره،  لا يمكن ان ياخد غطاء سياسيا، خصوصا عندما نعلم ان رائد هذا القطاع ليس إلا " أفريقيا " التي يعتبر ،الوزير عزيز أخنوش، الشخصية الوازنة في الحكومة،  أحد أهم المساهمين فيها، حيث يؤكد أحد الفاعلين بالقول " إذا كان هامش الاستغلال بالنسبة لـ"طوطال " ارتفع بأكثر من 14.7 في المائة  فإن الهامش المتعلق بشركة إفريقيا من المفروض أن يكون مرتفعا أكثر" ،مشددا على ان الشركة المملوكة بشراكة بين عائلتي أخنوش و واكريم تبقى من أكبر المستفيدين من قرار تحرير الأسعار بقطاع المحروقات،علما أن قدراتها الكبيرة على التخزين تجعل منها متحكمة في السوق كيفما تريد.
 الأكثر من ذلك وعلاقة بغياب الدولة داخل معادلة الغنى الفاحش للفاعلين في قطاع المحروقات عل حساب المستهلكين، على الرغم من ضرورة الدولة في مراقبة الأسعار على الأقل  لا بد من ذكر فرنسا أول الشركاء الاقتصاديين للمغرب و التي تم تحرير سوقها للمحروقات  قبل عقود من الآن لكن الدولة تواصل بسط عينها على الفاعلين في هذا القطاع، حيث أن كريستين لاغارد وزيرة الاقتصاد السابقة في حكومة فرانسوا فيلون تدخلت مباشرة في 2011 وهددت الفاعلين في قطاع المحروقات بأشد العقوبات بعد تقرير صادر عن الإدارة العامة للاستهلاك و المنافسة و محاربة الغش، وهو التقرير الذي كان أكد كيف حاول الموزعون استغلال انخفاض الأثمان الدولية للبرميل دون انعكاسات على أثمان البيع و التوزيع في محطات التزود . 


صاحب المقال : Annahar almaghribiya

المرجع : Annahar almaghribiya
إظافة تعليق