بلادنا بين سياسيِّي عدم الوفاء والسُّراق الشرفاء

بلادنا بين سياسيِّي عدم الوفاء والسُّراق الشرفاء

2017-03-13 12:00:15

عرف شهر يناير، وكذلك شهر فبراير، من السنة الجديدة (2017) عدة فضائح مرتبطة بالفساد المالي كالاختلاس، والرشوة، والوظائف الوهمية، وقسْ على ذلك، في دول عديدة مثل كوريا الجنوبية في شخص رئيستها وصديقتها، ومدير شركة [سامسونغ]؛ وفي رومانيا إذ طالب الشعب عبر مظاهرات باستقالة حكومة برمتها بعد رفْضها لقانون العقوبات في حق المختلسين من وزراء، وكبار الموظفين؛ وفي إسرائيل حيث اتُّهم رئيسُ الوزراء [نتانياهو] بتلقي رشاوى من رجال أعمال؛ وفي فرنسا حيث اتُّهم المرشحان للرئاسة [فيون ومارين لوبّين] بوظائف وهمية لأقاربَيْهما أو للمقرّبين، وفي كل هذه الحالات اشتغل القضاء، وفُتِحت تحقيقاتٌ، منها ما قد يؤدي مباشرة إلى الإعفاء من المنصب كالذي يحدث في كوريا الجنوبية، وقد سبقه ما حصل لرئيسة الحكومة في البرازيل السنة الماضية.. مثْل هذا لم يحدث قط في بلادنا، لأننا بلد الشرفاء، وقد أخطأ [نابليون] حين قال: [إذا كنت شريفا، فأنت لا تصلح للسياسة]؛ فها هم عندنا شرفاء، ويصْلحون للسياسة..

فما يحدث في المغرب من سرقات، واختلاسات، ومظاهر تبذير، ورواتب عالية، وتعويضات خيالية، وتوظيفات عائلية، لو حسبتَها لوجدتَها تفوق بكثير كلّ ما حصل في البلدان التي ذكرناها؛ لأن السرقات الظاهرة والخفية، يقوم بها عندنا شرفاء، صوّتنا عليهم نحن المغاربة لنزاهتهم، ونظافة أيديهم، وصفاء سريرتهم؛ وكل سرقة يقترفونها تكون شرعية بموجب [مرسوم قانون] يحميها من كل متابعة قانونية؛ فتصير حقا مشروعا، مثل رواتب عالية تقاضاها البرلمانيون، وهم نائمون في بيوتهم ما يزيد عن أربعة أشهر.. ففي الدّين، يسمّى ذلك سُحْتًا؛ وفي مراسيم القوانين، يسمّى حقّا لا مزايدة فيه، ومن أجله ترشّح البرلماني؛ أمّا خدمة الوطن، فتلكم مسألة ثانوية، ليس فيها أية أسئلة محرجة، أو محاسبة قاسية، ثم إن المال، مال الأمة، وليس عليه أقفال.. فنحن نظلم [بنكيران] وهو يمارس السرقات الشريفة؛ لماذا؟ لأنه عندما يخاطب السذج، فإنه يعتمد الدين لأنه صاحب [الدعوة إلى الله] الذي يخشاه كأنه يراه؛ ولكن عندما يغدق على الأكلة، فإنه يعتمد مراسيم القوانين، التي تقتطع من أجر المضرب، وتعطي المحظوظَ النائم.

فاللصوص عندنا شرفاء؛ وكل سرقة إلا وتكون حقّا بموجب مرسوم قانون؛ وإلا لماذا شملهم عفوُ صاحب [الدعوة إلى الله] عبر مقولة حقٍّ أريدَ بها باطل، ألا وهي [عفا الله عمّا سلف] لكنّ المسحوقين المضربين، اقتُطع من أجرهم قُبيْل عيد الأضحى.. لقد حقّقتْ نقابة [بنكيران] أرقاما قياسية في الإضرابات في ميدان التعليم، وكان المضربون ينتمون إلى (البيجيدي)، ومع ذلك لم يُقْتطَعْ يومٌ واحد من أجرهم؛ ولـمّا وصل [بنكيران] إلى الحكم، قال مقولةً أخرى وهي [الأجر مقابل العمل]، وهي مقولة لم تخصّ مَن كانوا في بيوتهم يغطّون في سبات عميق، فنالوا رواتبهم كاملة غير منقوصة، لأن ذلك حقّهم.. إن فترة ولاية [بنكيران] هي فترة فساد، وكساد، وسُحْت، وسرقات مختلفة، وأُقسم لله بذلك.. إن فترة ولاية [بنكيران] هي فترة سعادة المبذّرين، مما جعل أتباعَه يصوّتون عليه مجددا، ولن يتركها إلا وهي خاوية على عروشها.. أليس سرقةً اقتناءُ سيارات (كات ــ كات) الغالية، بدلا من سيارات (داسيا) التي تُركّب في بلادنا؟ أليس سرقةً الرفعُ من اقتطاعات الموظفين، مع خصْم الثلث من تعويضات المتقاعدين، مع سرقة سنوات من حياتهم؟ أليس من قبيل الضحك على الذقون، الحديثُ عن إصلاح التعليم دون إصلاح أولا أوضاع أهل التعليم وهم جنود الميدان الحقيقيون في البوادي، وفي القرى النائية، وفي أقسام المدن المزدحمة، وقد فاق عددُ التلاميذ في الحجرة السبعين تلميذا؛ فعن أي إصلاح يتحدثون وقد سرقوا حقوق المدرّس، وأجهزوا على تقاعده، حتى أنسوه رسالتَه النبيلة وانشغل بمصيره..

لقد سرقوا أصواتَ المواطنين، وهي أصوات تدرّ عليهم الملايين شهريا؛ وسرقوا حيواتهم حتى لإنّ هناك مَن تخلّص منها لرخصها إما بالإحراق لجسده، وإما بالشنق إلى درجة أن الحياة صارت في بلادنا هي أرخص شيء على الإطلاق، بدليل تزايُد نسبة الجرائم، وكذلك الاغتصابات، في أمّة تعبد الله سبحانه وتعالى، وأمرها بالعمل على تنفيذ [النفس بالنفس]. أليس سرقةً موصوفةً أن يقضي المغربي جزءًا من حياته في الدراسة، بما فيها من مصاريف ومجهودات، وفي الأخير ينال شهادةً لا تساوي الورقة التي كُتِبت عليها، وكأنها ورقة نقدية فقدت قوّتَها الإبرائية؟ أليس سرقةً، أن تكلّفَنا مؤسساتٌ الملايير شهريا، وهي ما خدمتِ الوطنَ يومًا، ولا رفعتْ حيفا، ولا ردّت حقّا، ولا كبحت جماحَ مظالم اجتماعية أو اقتصادية؟ أليس سرقةً أن يكون المواطن سعيدا بجهله لعدة حقوق، فتتم توعيتُه بها؛ فلمّا يذهب إلى المكاتب المختصة لنيلها، يجد أبوابها موصدة، أو تتطلب شروطا تعجيزية تجعلها صعبة المنال، فيدخل المواطن في حالة شقاء، حتى يذهب إلى دار البقاء.. تساءل [نيتشه] عن حال إنسان كان سعيدا، فسلّطوا عليه وعيا جعله حزينًا؛ أليست هذه أكبر السرقات؟!



صاحب المقال : فارس محمد