وعدُ [بلفُور] وتاريخ أسود غير مذكور [1-2]

وعدُ [بلفُور] وتاريخ أسود غير مذكور [1-2]

2017-04-20 10:43:07

نُظِّمت في بلادنا يوم الأحد 09 أبريل الجاري، مسيرةٌ شاركت فيها شخصياتٌ من دعاة القومية العربية، وممثلو النقابات، والجمعيات، رُفع خلالها علمُ فلسطين السليبة، وكان ذلك بمناسبة ذكرى مرور [100] سنة على [وعْد بلفور]؛ ومعلوم أن هذه الذكرى ستكون في الواقع يوم 02 نونبر 2017، وليس يوم 09 أبريل، لأن رسالة [بلفور] إلى [روتْشايلد] كانت مؤرّخة بـ: 02 نونبر 1917، وليس 09 أبريل؛ ولا نعلم كيف اختار المنظمون هذا التاريخ لتنظيم مسيرتهم آنفة الذكر.. وللعلم، فإن [بلفور] ليس هو كاتب هذه الرسالة، ولا حتى أحدٌ من أعوانه، بل الذي صاغها في حقيقة الأمر، هو [حايِم وايزْمان] العالم الكيميائي الذي ركّب للإنجليز غازا سامّا كانوا بحاجة إليه في الحرب العالمية الأولى، وهي مادة [الأسيطون]، مما جعل رئيس الوزراء البريطاني [لويد جورج] يطير فرحا سنة [1916] بهذا الإنجاز، ويقول وهو الذي كان يكره الصهيونية: [إن مادة (الأسيطون) قد جعلتني أعتنق الصهيونية].. [حايم ويزمان] العالم الكيميائي هذا، صار أول رئيس لإسرائيل.. فكيف تُعطى لشخص [بلفور] ولرسالة لم يكتبها أصلا وإنما وقّع عليها وتبنّاها وهو نفسه كان يكره الصهيونية، تُعطى له كل هذه الأهمية، ويُرفع إلى هذا المستوى من الشهرة من طرف العرب؛ فالكيان الصهيوني كان سيقام بوعْد [بلفور] أو بدونه؛ لأنه كما قال الكاتب [آرثر كويسلر] إن أمّةً، وعدتْ أمّةً بأرض أمّة ثالثة، أي مَن لا يملك أعطى من لا يستحقّ؛ وهذا الوعد كان قد أُعطي للصهاينة قبل هذه الرسالة؛ فالصهاينة كانوا يعلمون أن أرض فلسطين هي بيد الإنجليز، وهم الذين يمكنهم إعطاؤها لمن شاؤوا، وليس الألمان كما اعتقد رجال الدّين العرب، فانهزمت النازية في الحرب الثانية، وصاروا مطلوبين للعدالة..
فالشخص الذي ما زالت آثار سياسته، ومخططاته بادية إلى يومنا هذا في المشرق العربي، هو ذاك الشاب الداهية المدعو [مارك سايس].. إن [سايس] هو الذي قسّم الجزيرة بالمزْواة، والبيكار، وقلم الرصاص، وخلق كيانات، وأبدع تسمياتها، واختار أعلامَها الوطنية بما في ذلك علمُ فلسطين، ثم صدِّقْ أو لا تصدّق، لكنها الحقيقة التاريخية التي نتجنّب ذكرها؛ ومما ساعد [سايس] على ذلك، هو حبُّ العرب للإمارة، والسلطة، وما نعانيه اليوم، هو من تأثير هذا الديبلوماسي الداهية الذي مات في نهاية الحرب العالمية وعمره لم يتجاوز [39] سنة فقط.. فالجغرافية السياسية في العالم العربي، هي مِن صنْع شخصين مكروهين، هما [سايس وبيكو]؛ حيث كان الأول مستشارا بريطانيا في الشرق الأوسط؛ فيما كان الثاني قنصلا فرنسيا؛ وهو الذي ترك عنوة وثائق تحمل أسماء وطنيين سوريين على مكتبه، كي يجدها الأتراك، فيقترفون مجزرة في حقهم، وكانا يدركان ما في الشرق من طائفية، وعرقية، واختلافات دينية، قد تكون إيجابية، لو وُظِّفت لأغراض سياسية؛ وهو تماما ما يحدث اليوم، حيث وُظفت كل هذه العوامل لإثارة الفتن والحروب.
نعود الآن إلى قضية فلسطين؛ فمن أسباب الإخفاق السياسي، هو تدخُّل رجال الدين، وأصحاب العمائم في القضية، واعتقاد الناس أنهم حكماء ولا يُخطئون، وأن قولهم هو القول الفصل، فيما اليهود تركوا العمل لسياسييهم، ولشخصيات وازنة، وكلمتُها مسموعة ومحترمة.. لقد ركّزوا تحركاتهم في بريطانيا، ونجحوا في ذلك؛ لكن العرب تفرقوا إلى فُسْطاطيْن؛ واحد كان يقول إن المفاوضات يجب أن تكون مع الإنجليز لأنهم هم المحتلون لفلسطين؛ وأما الثاني فكان يرى أن ألمانيا النازية هي الأمل، وإذا انتصرت في الحرب العالمية الثانية، فستمنح فلسطين للعرب، وستطرد اليهود منها؛ وكان على رأس هذه العصبة [أمين الحُسَيني] مفتي القدس، فقد أفتى باغتيال [فاروق النَّشاشيبي] الذي كان يتزعّم الفريق الذي يقول إن المفاوضات يجب أن تكون مع بريطانيا، وليس ألمانيا النازية؛ فأثبت التاريخ أنه كان على حق، عكس قاتله [الحسيني] الذي كان يزور [هتلر]، ويرفع التحية النازية، ويشارك بعمامته في الاستعراضات العسكرية، وهو الذي أنشأ في [البلقان] الجيش الإسلامي النازي؛ وكان يتحدث في راديو [غوبلز]؛ وضلّل كافة العرب والمسلمين، وفي نهاية الحرب فضّلت بريطانيا اليهود على العرب، وكان قيام دولة [إسرائيل] ضمن المشروع الاستعماري الإمبريالي في المنطقة.. لقد ارتُكبت أخطاء قاتلة، ومزّقت الاختلافات منظمة التحرير، فهجرها زعماؤها، وآثروا المنافي الاختيارية؛ منهم من مات، ومنهم من ما زال حيا يرزق، وقطع صلتَه بالمنظمة كما أن الفلسطينيين قتلوا بعضهم بعضا، كما أن بعض الأنظمة استعملت القضية لتلميع صورتها، وتبرير صفقات الأسلحة؛ وأخرى مدّدت سنوات الطوارئ؛ ولكنّ القضية اليوم لم تعدْ تصلح لشيء، ولم تعدْ تغري سياسيا، اللهم ما كان من مسيرات، ومهرجانات تحمل اسم فلسطين، ينظمها الانتهازيون..


صاحب المقال : فارس محمد