وعدُ [بلفُور] وتاريخ أسود غير مذكور [2-2]

وعدُ [بلفُور] وتاريخ أسود غير مذكور [2-2]

2017-04-21 11:54:54

انهارت النازية وشُنق [موسُّوليني]، وتبخرت آمال [أمين الحُسيني] مفتي القدس.. وفي سنة [1947]، عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، اجتماعا لمعالجة قضية فلسطين؛ فقرّرت تقسيم الأرض مناصفة بين العرب واليهود، فرفض العرب، واعتمدوا المقاعد الشاغرة؛ فصوّتت معظم الدول للمشروع؛ وفي ماي من سنة [1948] وبشكل فجائي تماما أعلن [بنغوريون] قيامَ دولة [إسرائيل] وهو سيدنا [يعقوب] عليه السلام.. فانتفضت الدول العربية، واعتمدت القوة لمهاجمة الكيان الصهيوني، فكان الجيش العربي بأكمله يتكوّن من (30) ألف جندي، بأسلحة فاسدة، وذخيرة قليلة؛ فيما كان جيش [إسرائيل] يناهز [130] ألف جندي مجهّزين بأسلحة حديثة، فنفَدتْ ذخيرةُ العرب في أقل من يومين، ومن الجيوش المترهّلة وغير المدرّبة مَن انسحب من ساحة المعركة، وهي جيوش تنتمي إلى دول اكتُشف فيها البترول سنة [1939]، وهي أموال رُصِدت لبذخ، ومتعة الأسر الحاكمة، وليس للتجهيز، وتحديث الجيش..
ومن نتائج تلك الهزيمة العسكرية النكراء، بعد هزائم سياسية خدمت الصهاينة، قُتل ملكٌ، وأُزيح ملكٌ، وعُزل رؤساء، وأدّوا ثمنَ ذلك، وبدأ الحديث عن التغيير، وهو حديث ما زال يلاك إلى يومنا هذا، وتُقتَرف باسمه الجرائم، وتقام باسمه الفتن، فيما التغيير الحقيقي يجب أن يكون في العقلية العربية، وليس في تغيير شخص بآخر.. هل تمّ هذا التغيير؟ كلا! ففي مؤتمر [الخرطوم] سنة [1966] قرّر العربَ نهْج سياسات [اللاءات]، وسُمّي المؤتمرُ بقمة [اللاءات الثلاث]: لا للاعتراف بإسرائيل؛ لا للسلام؛ لا للمفاوضات وقد كانت إسرائيل ترغب في الحوار.. قال وزير خارجية إسرائيل الأسبق [أبا إيبان] ساخرا ومذكّرًا [كان ذلك عصرُ الكرم الإسرائيلي]؛ أما اليوم، فإسرائيل هي التي ترفض المفاوضات، وليس العرب [الأقوياء والحكماء].. وفي سنة [1967] شنت إسرائيل حربا خاطفة، ودمّرت طائرات وهي جاثمة في المطارات، ودمّرت آلاف الدبابات روسية الصنع، وقُتل (15) ألف جندي، وأُسِر آخرون، وأُجبر العربُ على توقيع الاستسلام، ولوْلا الضغوط الروسية وتهديداتها لدخل الصهاينة [القاهرة]؛ لكن احتُلّت [سَيْناء]، وضاعت [الضفة الغربية] وتمت السيطرة على القدس الشرقية؛ وفي سنة [1973] كانت الجيوش العربية متفوّقة في البداية؛ لكنّ تدخُّل رئيس في الحرب أدّى إلى حصار الجيش الثالث، وبه ساومت إسرائيلُ، ونالت ما أرادت، ومع ذلك تسمعهم يتحدّثون عن انتصار عربي كلِّل بهزيمة مذلّة، وتلك أمور عُرف بها العربُ..
في بداية الستينيات، تأسست [منظمة التحرير الفلسطينية]، وكلما زاد عدد أفرادها، زادت مشاكلها، وأخطاؤها، وبدأت بالقرصنة، حيث كانت تخطف الطائرات، حتى صُنِّفت كمنظّمة إرهابية، وهذه السياسة أدّت إلى فشل ذريع، ثم أتت مجزرة [ميونيخ] سنة 1972 خلال الألعاب الأولمبية، ومن ذلك برزت [قائمة غولدا]، وهي لائحة بأسماء الذين يجب اغتيالهم، وفيهم منْ لا ذنب له في حادثة [ميونيخ].. خلال خطاب للرئيس المصري [أنور السادات] في مجلس الشعب، الذي قال فيه إنه سيقوم بزيارة لإسرائيل، ليحاورهم في بيتهم، تعالت التصفيقات، وأصوات التهليل، وكان من بين المصفّقين [ياسر عرفات]، وبعد أيام كان يقول في خُطبِه أمام الجماهير المتهلّلة؛ [لا لبيغَن؛ لا لكارتَر؛ لا لعميلهم السادات]؛ وبدأت المنظمة في الانشقاقات، مثل [أبو نضال]؛ ثم [جورج حبش]؛ وتأزّم الوضع الداخلي، وبدأ الفلسطينيون يقتلون فلسطينيين هنا وهناك لاختلاف في الرأي ووجهات النظر، وهكذا اغتيل مثلا الدكتور [الصَّرْطاوي] في [لشبونة]، لأنه كان يحاول لقاء [شيمون بيريز] في البرتغال؛ كما اغتيل بيد فلسطينية [أبو إيّاد] في الجزائر، وهكذا فكل ما كانوا يُقْتَلون بسببه، صار مباحا، فكان [ياسر عرفات] هو أول من تنازل للتفاوض المباشر مع إسرائيل؛ ولكن أين هو [السادات] العميل، ومن قُتِلوا قبْلا؟
ولكي تكتمل الأزمة، ويكرس الاختلافُ، تدخّل أصحاب الخلفية الدينية، تماما كما حدث في العشرينيات والثلاثينيات، حيث برزت [حركة المقاومة الإسلامية] [حماس]، وبسببها قُتل آلاف الفلسطينيين، وهُدِّمت [غزة] بسبب إطلاق صواريخ بلا فعالية؛ اتخذتها [إسرائيل] كذريعة لاقتراف مجازرها وفي شنّ حروبها على العُزّل، وفي إقامة حصارها النازي؛ وهكذا في الضفة كما في غزة، توجد سلطتان؛ واحدةٌ في [علبة سردين] وهي السلطة الفلسطينية؛ وأخرى في [حبّة أسبرين] وهي حكومة حماس على حد تعبير [نزار قباني] في إحدى قصائده؛ وللعِلم، فإن الضفة والقطاع كانا تحت سلطة عربية، فلماذا لم يُقَمْ عليهما وقتها كيانٌ فلسطيني، قبل أن تنتزعهما إسرائيلُ من الدولتين العربيتين اللتين كانتا تحتلّهما، يوم برز المشروع القومي لمكافحة المشروع الصهيوني؟ فإسرائيل تبدو وكأنها محررة للضفة والقطاع وإعطاؤهما للفلسطينيين؛ هكذا يرى بعض المؤرخين بسخرية ظاهرة، وبصيغ تعجُّب في كتاباتهم وملاحظاتهم.. فتواجُد سلطتين في فلسطين، هو واقعٌ يخدم إسرائيل، ويكرّس المشروعَ الصهيوني، الذي وضعه [هيرزل] في مدينة [بال] السويسرية في القرن [19]، وأساسُه خلقُ مستوطنات لخلق واقع على الأرض.. نصح جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه ذات يوم، الفلسطينيين بعدم التدخل في المشاكل العربية ــ العربية؛ بل عليهم الاهتمامُ بقضيتهم فقط؛ لكنهم لم يعملوا بالنصيحة؛ فقد تدخّلوا في قضية اجتياح العراق للكويت سنة (1990)؛ ولما زار [فيصل الحسيني] الكويت، رفضوا استقباله، وأنّبوه، فمات عندهم نتيجة ذلك بأزمة قلبية.. وفي سنة (2001) هلّلوا لهدم البرجين في [نيويورك] من طرف [بنلادن]، وفرحوا، وخرجوا إلى الشوارع، وهي كلها مواقف لا تخدم مصلحتهم، وتذكِّر العالمَ بموقف رجال الدين الذين كانوا يساندون النازية؛ لأن العقلية لم تتغير..
ومنذ أيام، انعقد المؤتمر العربي في [عمّان]، وخُصّص لمناقشة قضية [فلسطين]، وبعد الجلسة الختامية، وضعت إسرائيل حجر الأساس لأكبر، وأوسع مستوطنة في الضفة، وكانت تلكم من نتائج ذلك المؤتمر، ومع ذلك يتحدّثون عن مسلسل السلام؛ لكن مع من؟ مع السلطة في الضفة أم مع الحكومة في غزة؟ لقد كان على [القومَجيون] الذين نظموا مسيرةً لإحياء ذكرى مرور مائة عام على [وعد بلفور] أن ينظّموا المسيرةَ لصالح بلدهم المغرب، الذي يراد له أن يُغرَس في صحرائه المسترجعة كيانٌ مصطنع، مثْله مثل الكيان الصهيوني الذي غُرس في فلسطين، وفي جسد الأمّة العربية.. لقد اعتنق بعض العرب الإديولوجية الصهيونية، تماما كما يعتنق اليوم الخونةُ فكرةَ إقامة [جمهورية صحراوية] في صحرائنا المسترجعة، ومنهم من ينتمي اليوم إلى أحزاب تساند [البوليساريو]، بل تقول بإقامة كيان [أمازيغي] مستقلّ على حساب وحدة الوطن، وسلامة أراضيه.. مثل هؤلاء بمواقفهم الهدّامة، وأفكارهم المدمرة، وخيانتهم المفضوحة، هم من جنوا على القضية الفلسطينية؛ وهُم ما يسمّى [الصهاينة العرب]، وهو إن شاء الله موضوع مقالة قادمة.. لقد قمنا وبمجهود بملخص بالغ لضيق الحيّز، ولم نتعرض لمن اغتنوا في الضفة إلى جانب الاختلاسات المالية، وسياسة الزّبونية والمنسوبية باسم فلسطين، فيما ضحايا يسقطون كل يوم برصاص العدو الإسرائيلي، و[حماس] تُمنّي بنصر لن يأتي أبدا…


صاحب المقال : فارس محمد