كوميديا الرئاسيات الفرنسية (2017)

كوميديا الرئاسيات الفرنسية (2017)

2017-05-16 12:41:11

هناك [كوميديتان] أَثْرَتا الخزانة الأدبية العالمية؛ الأولى هي [الكوميديا الإلاهية] للأديب الإيطالي الشهير [دانتي: 1321-1265] وهو القائل إن الطريق إلى الجحيم، غالبا ما تكون مفروشة بالورود.. والثانية هي [الكوميديا الإنسانية] للأديب الفرنسي الكبير [بالزاك: 1799 - 1850] وقد كانت بمثابة نقْد للمجتمع الفرنسي وخاصة الباريسي.. عُرف [بالزاك] بالوصف الدقيق، وكأن قلمه كانه آلة تصوير. والآن انضافت إليهما كوميديا أخرى، وهي [الكوميديا الانتخابية] في فرنسا، وما زالت فصولها لم تَنْتَهِ بعد، وقد امتزجت فيها الكوميديا المضحكة بالسريالية المثيرة، وعلى خشبة المسرح السياسي تبارى البهلوان وصاحب الحيل، أمام جمهور متردّد يعاني من عدم اليقين أمام إشارات، وحركات، وتصريحات، وتشابهات في السيناريوهات، وطرق الإخراج، وهو ما يذكّر بالانتخابات أيام [نابليون الثالث] وهذه حالة فرنسا المتطرفة في كل شيء..
اتصلتُ هاتفيا بصديق فرنسي قديم، لأعرف منه لصالح من صوّت، فكان جوابه واضحا وصريحا لا لبس فيه إذ قال لي: [لم أصوت لأحد، J'en ai soupé de cette comédie] وهو على حق؛ فمنذ البداية، ظهرتْ معالم الكوميديا، وتجلّت في تهمة [فيون] المتمثّلة في وظائفَ وهمية، ثم لماذا لم تبرزْ هذه التهمة في إبانها، وانتظرتْ سنين طويلة حتى فترة الانتخابات الرئاسية؟ ولماذا لم تؤثر التهمة نفسُها على [مارين لوبّان] بل رفضتْ حتى استدعاء وكيل النيابة لها؟ السبب هو أن [لوبان] تلعب دورا أساسيا في الكوميديا، ولكي تزداد حدةً الإثارةُ والتشويق، يسمّونها زعيمة الجبهة الوطنية المتطرفة، فيما فرنسا بأسرها وعبْر تاريخها متطرّفة بالدليل التاريخي القاطع.. منذ بداية الحملة الانتخابية، ظهر جليا أن كلاّ من اليمين واليسار قد أنهيا مهمّتهما؛ فاليمين أصبح مملاّ ويكرّر نفسه؛ والحزب الاشتراكي أنجز ما عجز عنه غيرُه سياسيا وأخلاقيا، واجتماعيا.. فهو أقرّ سن التقاعد في (62) سنة، وساهم في إغلاق عدة معامل ومؤسسات، مع تسريح للعمال، وجعْل الشذوذ الجنسي مباحا بقوة القانون؛ وبذلك لم يعد له ما يقوم به في فرنسا، فعوقب ظاهريا على أفعاله، ونال مرشّحه مرتبة متدنية، وقد كان يتوقع ذلك، رغم ما أظهره مناضلوه من حزن وأسًى نتيجة ذلك..
لكنّ منظمة [ليكرا] الصهيونية، وهي التي تتحكم في الإعلام الفرنسي، وتنظم اللعبة، وتحدّد الأدوار كانت كما يقال بعيدة النظر، حيث أخرجتْ من الحزب الاشتراكي لاعبا اسمه [ماكرون]، ومَوْقَعتْهُ في ما أسمته [الوسط] ونفخت فيه من روحها؛ وفي ظرف وجيز صار سياسيا محنّكا وكان الأصلح لقيادة فرنسا المعاقة، ونحن نعرف أن هذا [le Héros] في هذه الرواية لم يكن يوما وسطيا، ولم تنتخب فرنسا رئيسا من [الوسط] اللهم ما كان من الرئيس [جيسكار ديستان] سنة [1974] وفاز وقتها على [ميتران] بأغلبية بسيطة لا تتعدّى [50,71] بالمائة، مقابل [49,29] وكانت نسبة الممتنعين عن التصويت [12,6] بالمائة.. لكنْ لما حلّ دورُ الحزب الاشتراكي سنة [1981] أخرجوا فضيحة ضد [ديستان] خلال الانتخابات، وكانت تتمثل في ماسّة تلقّاها كهدية من طرف آكل اللحوم البشرية، وهو [جون بيدال بوكاسا] الذي أصبح إمبراطورا في إفريقيا الوسطى؛ ففاز [ميتران] بسبب هذه الماسّة الملعونة، والملطّخة بدماء شعب [بوكاسا] الجائع..
وفي الأخير، بقي للنهاية [ماكرون] و[لوبّان]، تماما كما بقي ذات يوم [ساركوزي] الجمهوري و[سيغولين روايال] الاشتراكية، بل تماما كما بقي [دونالد ترامب] و[هيلاري كلينتون] في أمريكا؛ وفي كل هذه الحالات، يُعطى الفوزُ للرجل، ثم لا فرق بين منظّمتي [إيبّاك] في أمريكا، و[ليكْرا] في فرنسا ما دامت الديموقراطية قد احتُرمت ظاهريا.. لقد قيل إن [ماكرون] فقد شعبيته لما قال إن الاستعمار الفرنسي يعتبر جريمة ضد الإنسانية؛ هكذا اعتقد البلهاء في تحليلاتهم في البداية، لأنهم يجهلون أن تحليل المشهد السريالي لا ينبغي أن يُعتَمد فيه المنطق؛ لكن هل بإمكان [ماكرون] وهو رئيس الجمهورية أن يقدّم اعتذارا رسميا لكل الدول التي عانت من الاستعمار الفرنسي البغيض؟ والآن كل [les faux candidats] يتظاهرون بالخوف من نجاح [لوبّان] وينادون بالتصويت لصالح [ماكرون]، حتى [هولاند] يدعو إلى ذلك، وهو يعلم أن الأيادي الخفية لأصحاب المسرحية حسموا الأمر حتى [لوبّان] تعرف ذلك، ولكن عليها أن تنهي دورها، تماما كما قرأتْه مسبقا في السيناريو، وكما حدده المخرج، والمنتجون للكوميديا الهزلية، بل حتى أولئك [les tambourins] الذين يسمّون [محلِّلون] يقومون بأدوارهم لإخفاء طابع الخدعة.. وللتذكير، فالفرنسيون الأقحاح لم يصوتوا، ولم يشاركوا في اللعبة، بل الذين يشاركون هم العجزة، والمجنَّسون القادمون من إفريقيا وأمريكا، وكذلك الشواذ والعاهرات، بالإضافة إلى الجمهور الساذج، الذي لا يُتابع من المسرحية إلا ظاهرها، ولا يعرف خباياها، لافتقاره للعقل النقدي؛ فنحن نعيش في عصر لم تعد فيه للشعوب كلمة وإن كانت اللعبة تدور باسمها عبر ديموقراطية عُهِّرت.


صاحب المقال : فارس محمد