أبو حفص...من صناعة الإرهاب إلى تفكيك الإرهاب

أبو حفص...من صناعة الإرهاب إلى تفكيك الإرهاب

2018-03-20 13:08:43

تنظم مؤسسة المصدر ميديا ندوة بالرباط لتقديم كتاب "الذكاء الجهادي وتفكيك آليات هندسة الإرهاب" لصاحبه إبراهيم الصافي. واستدعت مجموعة من المتدخلين، أبرزهم محمد عبد الوهاب رفيقي المعروف ب"أبو حفص". أثارني في ملصق الندوة الصفة التي تم إلصاقها بأحد شيوخ السلفية الجهادية سابقا. تم نعته بالباحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف. لا نعرف هل وافق عليها أم هي من إبداع المؤسسة؟ بالنتيجة هو يطرح نفسه مفكرا إسلاميا تنويريا. الأمر عادي جدا في مجتمع أصبحت الألقاب لا تعني شيئا على مستوى القيمة العلمية والمعرفية. إحدى القنوات استضافت "صاحب كلام" وكي ترفع من مستوى البرنامج أطلقت عليه لقب "مفكر مغربي". استمرأ صاحبنا اللقب وأصبح يطلقه على نفسه. وهو الآن من شهود الزور الذين صنعهم السياسيون والإعلام كي يتم توظيفهم في اللحظة المناسبة.
ولا أستغرب الصعود الصاروخي للداعية أبو حفص، وتقديمه من قبل الإعلام كمفكر تنويري. لا أستغرب ذلك عندما أجد أن المثقفين المزيفين يستمتعون بكلامه، وكأنه فتح مبين في المجال يقول ما لم يقله غيره ممن سبقه، مع العلم أن أبو حفص يردد فقط كلاما مسبوقا بتاريخ طويل، وكل ما يذهب إليه تحدث عنه آخرون قبل أن يكون هو في هذا الوجود.
انتقل أبو حفص من وضع إلى وضع. لكن الرجل لم يخرج بتاتا عن وضعه الحقيقي ووظيفته الأساسية "الداعية". والداعية يقول كلام غيره ويردد ما يقرأه في الكتب أو ما يسمعه من شيوخه مباشرة وعبر الأشرطة.
في وقت سابق كان أبو حفص يردد كلام شيوخ وفقهاء السلفية من "الأولين والآخرين". كان نموذج الأعلى شيخ التكفير عبد الحليم الحراني بن تيمية وتلميذه بن القيم الجوزية. كان يعتلي المنبر لنشر التطرف وعوامل الإرهاب. وبهذه الطريقة أصبح نجما. علا شأنه يوم كان داعية سلفيا جهاديا يشحن أدمغة الشباب وهو شاب اعتمر الجلابية السلفية. بعد دخوله السجن استمر على هذا النهج. وحتى بعد خروجه واصل النهج نفسه لمدة زمنية. سرعان ما انقلب لكن ظل حريصا على لباس الداعية. بين الجلابية والكوستيم يوجد المنبر. يختلف فقط في الأدوات. لكن في العمق يسعى للخشبة التي تمنحه النجومية والظهور الاجتماعي.
يزعم أبو حفص أنه قام بمراجعات. هذه قصة مضحكة. لم يكن الرجل ينتج أفكارا حتى يراجعها. كان يلوك ما هو موجود في كتب غيره، ممن كان يعتبرهم رموز الإسلام الحقيقي. علمه السجن أن الطريق غير سالكة وبالتالي لا يمكن مواصلة هذا النهج. إذن هي مراجعات برسم السياسة. ليس لدى الرجل ما يراجعه أصلا. هو تخلى عن أدوات لم يسعفه الزمن في تبينها.
دليلنا على أنه لم يقم بمراجعات وإنما قام بدورة تقنية غير من خلالها اللوك والخطاب مع الحفاظ على الداعية، هو أن كل ما يقوله مسبوق إليه بعشرات السنين. هو اليوم تنويري في نظر المثقف الزائف الذي لا يؤمن بالأمانة العلمية. لكن ما هي معالم التنوير لدى الداعية؟ يكرر حديثا هنا عن المساواة في الإرث وآخر عن عذاب القبر برؤية مختلفة. لكنها ليست رؤيته وتحدث عنها كثيرون. لقد سبقه جمال البنا رحمه الله إلى كل ما يقوله اليوم، وحتى عمدة هؤلاء محمد شحرور هو مجرد ناقل لأفكار غيره أو مكتوبات الآخرين.
في الحديث عن المساواة في الإرث تكلمت جمعيات وزعماء سياسيين. إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، نفسه طالب بالمساواة في الإرث. هؤلاء منسجمون مع ذواتهم. لأنهم يستقون منهجهم من المرجعية الكونية في المساواة. لكن التنويري، الذي ما زال متشبثا بالانتماء لمرجعية مختلفة يزعم أنه يجدد من داخلها، لم يجترح قراءة مختلفة للنص المقدس. بل جاء بكل ما يقوله من كان يصفهم في مرحلته السابقة بالعلمانيين الكفرة بالله والدين.
أين التجديد وأين التنوير؟ إنه تزوير حقيقي وممارسة للسرقات الموصوفة مع انعدام تام لشرف الإحالة العلمية على ما كتبه من سبقه. يمارس أبو حفص إرهابا علميا عندما لا يحيل على الآخرين. فليس للرجل شيء يقوله سوى التكرار والنقل وتقديم على أنه من إنتاجه وإبداعه وما توصل إليه خلال المراجعات.
وسمت الداعون للندوة أبو حفص بالباحث في الفكر الإسلامي. هذا من العجب العجاب. باحث في الفكر الإسلامي ليست له دراسات ولا كتب ولا مشروع فكري يشتغل عليه. رأسماله هو هذا الفضاء المتاح له لا لغيره ليقول ما يشاء من منقولات معروفة يستمتع بها المثقف المزيف. وهو يلتقي معه هنا في الانبهار بآخر ما قرأ وآخر ما سمع. باحث بدون بحوث ومثقف مزيف يمارس شهادة الزور في حق باحث مزور يحاول إخفاء دور الداعية.
لابد أن يكون للباحث في الفكر الإسلامي بحوث أصيلة منشورة، لكن صاحبنا ليس في حاجة إلى ذلك، ما دام صناع التفاهة قادرين على إبراز من يشاؤون واغتيال من يريدون. ومثلما صنفوه باحثا في الفكر الإسلامي وصفوا آخرا بالمفكر الإسلامي دون أن تكون له فكرة واحدة من إنتاجه. بل هو بارع في السرقة دون الإحالة. وهناك من يسرق تدوينات ويقوم بتنويع الكلام حولها والإكثار من الإنشاء ليسمى مفكرا في النهاية.
أبو حفص باحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف. وهنا يزداد العجب. كيف انتقل صاحبنا من صناعة الإرهاب إلى مقاربة الإرهاب وتفكيكه؟ بأية وسيلة وبأية أداة ومنهج؟ هل تخلص هو أصلا من أن يكون موضوعا للدراسة؟ كاتب هذه السطور اشتغل كثيرا على خطاب أبي حفص كصانع للتطرف والإرهاب. وتابعه قبل ثورة التواصل الاجتماعي يوم كانت خطاباته توزع في أشرطة كاسيط. هو الآن يزايد على العالمين. لا يهمه أن هناك باحثين اشتغلوا على خطابه هو بنفسه كواحد من نماذج الخطاب المتطرف.
أبو حفص يحاول اليوم الفرار بجلده قبل أن تتوسع رقعة الزيت التي ربما قد يخلقها العائدون من سوريا. وهو اليوم معيار لمعرفة كثير من المحرضين على الإرهاب. وهم من شتى الأصناف. صحفيون كتبوا كثيرا عن مساندة "الثورة السورية" وحاوروا شخصيات من المعارضة المسلحة كانت لكلماتهم الآثار الكبيرة في ذهاب كثير من الشباب المغربي إلى جبهات القتال، هم اليوم معضلة كبيرة للمغرب. إذ العودة محنة للجميع. عناصر تدربت على السلاح تصنيعا وتركيبا واستعمالا. عودتها تهدد الأمن والاستقرار. من يتحمل مسؤولية هذه التشكيلة الخطيرة اليوم.
أبو حفص الهارب كان في الجو بكثير من الحماسة. توجه يوم 12 يونيو 2013 نحو مصر رفقة الكتاني والحدوشي وشخصيات إسلامية أخرى من التوحيد والإصلاح والعدل والإحسان، لحضور مؤتمر ستاد القاهرة الذي ترأسه الرئيس المصري المعزول محمد مرسي. المؤتمر خرج ببيان تاريخي يدعو للنفير نحو سوريا ودعم "الثورة السورية" ماديا ومعنويا، بالمال والسلاح.
بعيد خروجه من السجن استضافته لجنة المسجد بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي بمدينة العرفان بالرباط، تحت عنوان "نصرة المغاربة لأهل الشام بين الماضي والحاضر "، جنبا إلى جنب مع محمد الحمداوي، مسؤول العلاقات الخارجية بالعدل والإحسان.
وقال أبو حفص في المحاضرة "تطوع في جيوش نورد الدين زنكي مئات من المغاربة وحاربوا معه الجيوش الصليبية، وبقوا معه وأبنائهم حتى جاء بعد ذلك صلاح الدين الأيوبي وإكراما لهم على ما بذلوه اختار لهم صلاح الدين الأيوبي، أفضل الأماكن وأشرفها عند المسجد الأقصى، وجعل لهم مكان سمي بحارة المغاربة وباب المغاربة إلى أن جاء الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 وصادر هذا الحي وأخلى سكانه وجامع المغاربة وأقام حائط المبكى المزعوم".
وذكر أبو حفص حديثا منسوبا إلى الرسول (ص) ذكره صحابي يدعى عبد الله بن حوالة، جاء فيه أن الرسول قال "سيصير أمر الناس إلى أن يكونوا جنودا مجندة ، جندٌ بالشام وجند بالعراق وجند باليمن ، فقال عبد الله بن حوالة اختر لي يا رسول الله قال-عليه الصلاة والسلام- عليك بالشام فإنها خيرة أرض الله يجتبي إليها خير عباده ، فإن أبيت. قال فإن أبيتم فعليكم باليمن واسقوا من غُدَرِها فإن الله تكفل لي بالشام وبأهله". في المحاضرة الموجودة على موقع يوتيوب دعوة إلى مساندة "الثورة السورية" بكافة الوسائل. ونؤكد على "كافة الوسائل".
في انتظار ما قد يبوح به العائدون من سوريا، فإن ما قاله أبو حفص في المحاضرة المذكورة وشبيهة لها بمكناس هو تحريض للشباب إلى الذهاب إلى الشام.
ذهب طبعا شباب كثير منهم من قُتل هناك ومنهم اليوم عالقون ومنهم مقاتلون إلى اللحظة. مراجعات أبو حفص لم تتضمن الاتصال بهؤلاء الشباب وتحريضهم على ترك السلاح. إذن لا يتعلق الأمر بمراجعات ولكنه الهروب الكبير، الذي يمارسه كثير ممن ساند التنظيمات المسلحة بطرق مختلفة.


صاحب المقال : عدار ادريس