نشوء فلسفة ذرائعية تناسب طبيعةَ القوم في أمريكا

نشوء فلسفة ذرائعية تناسب طبيعةَ القوم في أمريكا

2018-05-17 14:05:05

[تشارلز ساندر بيرس: 1839 ــ 1914] في الواقع، فيلسوف ومنطقي أمريكي، لكنه اشتهر بكونه مبدع (الذرائعية) أي [البراغماتية].. لم يكنْ شعبيًا في كتاباته، ولذلك فهو يعْسُر على القارئين ممّن لم يأخذوا أنفسَهم بفهْم مصطلحاته التي خلقها لنفسه، ليبْعِدَ بألفاظه عن استعمالها في الحياة اليومية، لأن الألفاظ السارية في الشؤون الجارية معيبة بالغموض، لذلك اضطُرَّ إلى صياغة ألفاظ خاصّة به، مثلما فعل [مارتان هايدغير] زعيمُ الوجودية في ما بعد.. كانت ألفاظه (غليظة) حتى لا يستصيغها عامّةُ الناس، فتسري بينهم، فتعود إلى الغموض، كما هو شأن الألفاظ اليوم في الإعلام؛ وخير مثال يُساق توضيحًا لهذا الميل فيه، هو استعماله لكلمة [البراغماتية] نفسها التي شاعت بعد ذلك اسمًا لمذهبه.. لقد كان السؤال الذي ألقاه على نفسه: (ما هي الفكرة؟)؛ (متى يجوز لك أن تسمّي العبارةَ "فكرةً" ومتى لا يجوز؟).. فانتهى إلى أنّ "الفكرةَ" هي ما (نعْمله)، أي هي في نتائجها المترتّبة عنها؛ وبدلاً من استعمال لفظة [Patrice]، صاغ لنفسه لفظة أخرى قريبة منها، ودالّة، وهي كلمة [Pragmatism].. رأى [بيرس] أنّ حرصَه الشديد في البعد عن الألفاظ الجارية، لم ينقذْه من تحريف أغراضه، إذ هكذا أخذ عنه أنصارهُ مذهَبه؛ لكنّهم استخدموا المصطلح فيما لم يردْ هو أن يستخدمَه فيه؛ فلجأ إلى تعديل الكلمة بإضافة حروف زائدة بحيث أصبحت [Pragmaticism] لعلّها يكون لها من القبْح ما ينفِّر منها الخاطفين، واللصوص..

فما هي [البراغماتية]؟ هي أن "معنى" الكلمة أو العبارة، هو مجموعة ما يمكن للإنسان أن يؤدّيه من أعمال، ويَجْنيه من فوائدَ مادّية، مسترشدًا بالكلمة أو العبارة، وما ليس يهدي إلى عمل معيّن، فلا معنى له، فالأفكار أي كلمات وعبارات، إمّا أن تكون خططًا للسلوك العملي، أو لا تكون شيئا على الإطلاق؛ فمهْما تكنْ من كلمة، فإذا وجدتَها لا تدلُّك على عمل فعلي له نتائجُ مادية ومردودية، فاعلمْ أنها فكرة باطلة، أو قُلْ إنها ليست شيئا.. فما أكثر المشكلات التي يتعذّر حلّها مثل [هل العقل والمادة عنصران مختلفان أم يمكن أنّ أحدَهما يُرَدُّ إلى الآخر]؛ أو مثلا [هل الرّوح خالدة، أم فانية؟]؛ لم يوجَدْ لها حلّ رغم ما أنفقَه الفلاسفة من وقت، ومن جهود لأن هذه المشكلات بحكم طبيعتها مستحيلة على الحل، لا لأنها أصعب من أن يستطيعَ الإنسانُ حلّها، بل لأنها ليست بمشكلات حقيقية، وليست بذات أفكار، وكل ما فيها كلماتٌ لا تحمل معنًى، لأنها لا ترسم سلوكًا، لأن المشكلة الحقيقية هي ما تحْتمل الحلّ يوما ما. ويتساءل [بيرس]: لماذا لا يتّفق الناسُ على معنى كلمات مثْل (حرية؛ ديموقراطية) وإلى ما هنالك كاتفاقهم على معنى كلمة (صلابة ــ ذهب ــ ماء ــ مال)؟ الجواب هو أنّ لهذه الكلمات الأخيرة مقابلاً في الواقع، ويمكن أن تؤدّي إلى عمل له مردودية، فمعنى العبارة هو بكلّ بساطة، ما يترتّب عليها من عمل، وكلمات لا تدلّ على عمل، هي هُراء، هذا المنطق هو ما يعتمده الأمريكان في الاقتصاد، والسياسة، والعلاقات الدولية، وقسْ على ذلك؛ فألفاظ مثْل (حرية ــ ديموقراطية) تُرِكتْ للعرب، يتقاتلون حوْل معناها في قنوات الشّتم والسّب.

[وليم جيمس: 1842 ــ 1910]، مكّن هذا الفيلسوف أمريكا من الانتقال من الفلسفة التقليدية (واقعية كانت أو مثالية)، إلى الفلسفة [البراغماتية] أي انتقال من أمسٍ إلى غد.. فبعد أن كان أساس الحكم على قولٍ بالصّدق أو البطلان هو الرجوع إلى الأصل الذي بعث على تقرير ما يقرّر القولَ، أصبح الأساسُ هو النتائج التي تترتّب عليه؛ فالكلام صوابٌ أو خطأٌ، والنظرية من نظريات العلوم حقٌّ أو باطل، بمقدار ما يعيّن ذلك الكلام، أو هذه النظرية، على ترسّم طريقنا في الحياة العلمية، لا بمقدار تطابُقه مع الواقعة التي يصوّرها أو اتّساقِه مع غيره من الأفكار.. لقد جاء هذا الفيلسوف [جيمس] في الفترة التي استكملتْ فيها (ميريكان) استقلالها الفكري، ولم تعدْ تابعةً من توابع الفكر الأوربي.. يرى [جيمس] أنّ [معنى] فكرة من الأفكار، المعنى الذي يجعل الفكرةَ مفهومة، وذات دلالة، هو النتائج العملية التي تترتّب على الفكرة في خِبراتنا؛ فلا معنى للعبارة إلا نتائجها.. فكم ألف ألف عبارة، نقولها ونتوهّم لها معنًى، فإذا سألْنا عن النتائج العملية التي تترتب عليها في خبراتنا، لم نجدْ شيئا.. إنّ [جيمس] يرى أنه لا معنى للعبارة إلا نتائجُها العملية في خبراتنا البشرية؛ وإذا لم يكُنْ لها نتائج، لم يكُنْ لتلك الجملة معنىً (مثْل فكر شيوخ الخرافات، والأساطير)، فهي لغوٌ فارغ، لا يدلّ على شيء، وإنْ خُيِّلَ إلينا غيْر ذلك (ونحن نستمع إلى لغو فقهاء التضليل، والغِواية بِحُور العين، بعد تفجير الجسد، وقتْل الأبرياء غدرًا).. ولقد كان لفكر [جيمس] ذيوعٌ أكثر ممّا لقيه فكرُ [بيرس] لسهولة أسلوبه، ووضوح أفكاره.



صاحب المقال : فارس محمد