هؤلاء نساء يشرِّفن مَن يذكِّر بهنّ

هؤلاء نساء يشرِّفن مَن يذكِّر بهنّ

2019-03-10 08:00:42

منذ سنتيْن لم أشاركْ في اليوم العالمي للمرأة، الذي يصادف (08 مارس) من كل سنة، وقد ارتأيتُ هذه السنة المشاركةَ بذكر سيّدات دخلنَ التاريخ من بابه الواسع لأعطي الدليل على أنّ المرأة لا تقلّ عن الرجل عقلاً، وجسمًا، وكرمًا؛ ولكنّ سوء فهْمنا هو الذي حجب عنّا ما تمتلكه المرأةُ من ملكات وقدرات كما يقول (ابنُ رشد).. وفي هذه المقالة سأحكي ما أقدمتْ عليه سيّدات، ممّا كان له أثرهُ الذي لا يُنسى في التاريخ، وسأقصّ على القارئ الكريم ثلاث قصص تتراوح بين الإعجاب، والاحترام، والمأساة التي لبستْ ثوب الشهادة. عَيّنَ (هشامُ) القائدَ (حنْظلَة بن صفوان) حاكمًا على (إفريقية)، وما إنْ وصل إلى (القيروان) حتى صرف اهتمامَه إلى تقوية الحصون، وإثارة همّة المدافعين، غيْر أنه لم يمضِ وقتٌ طويل، حتى تعرّض حكمُه، وقوّتُه العسكرية للاختبار، ذلك أنّ ثلاثمائة ألف مقاتل انقضّوا على العاصمة، وأحاطوا بها من كل جانب، فأصاب العربَ عُسرٌ شديدٌ، ولكن (حنْظلة) كان بطلاً من أبطال الزمن القديم، إذ كان يجمع بين الغيرة الدّينية وبيْن رقّة القلب، وهو ما عُرِفَ به عهدُ (عُمر بن الخطّاب).. لقد وقف في الساحة الكبرى أمام المسجد الجامع، وأنذر الناسَ بأنّ هذه الحرب بيْن المسلمين المحاصَرين وبيْن الثوار المحاصِرين لهم، إنما هي حربُ حياةٍ أو موت، وأنّ انتصار المهاجِمين معناه فناء أهل المدينة جميعهم..

كان الموقف دقيقًا جدّا، وكانت جموع الأعداء تضجّ حوْل المدينة، بينما وقف حماتُها المتعَبون يَرْقُبون المعركة بقلوب واجفة من فوق الأسوار، ولقد لقيتْ دعوةُ (حنْظلَة) استجابةً سريعةً، وهنا تكْمن المفاجأةُ: لقد أثبتتْ نساءُ العرب اللّواتي اعتدن مواجهة الأخطار، وحمْل السّلاح، استعدادَهنّ في ميدان القتال، فألّف (حنْظَلَة) منهن جيشًا عهدَ إليه بالدفاع عن المدينة وقت هجوم الأعداء.. قضى (حنظلةُ) وقوّادُه طيلة الليل في توزيع السلاح على النساء، وإعطاء الأوامر للعمل بها غدًا.. وبعد صلاة الصبح، كسّر المدافعاتُ أغماد سيوفهنّ، وانقضَضْن على الأعداء، واشتبكْنَ معهم في معركة ضارية دامت من الصباح حتى المغيب، فانهزم الأعداءُ هزيمةً منكرةً، فقُتِل منهم ثمانون ألفًا، بينما مُنِيَ المسلمون بخسارة زهيدة نسبيا وخلتِ البلادُ من الفتن، واستعادت (إفريقية) استقرارَها بفضل النساء..

هذا يذكّرني بـ(زوجة أبان)، وكانت من الرُّماة، وبفضلها فُتِحتْ (دمشق)، وقد فقأتْ عيْن قائد الرّوم؛ كانت ملثَّمة ولا أحد يعرف أهي رجلٌ أمِ امرأة، وقد أُعجِبَ بها (خالد)، واستقبلها الخليفةُ (عُمر) شخصيًا.. هذا يذكّرني بالطّيارة (كاترين أوريول) وهي أوّل مَن اخترق جدارَ الصّوت، فاستقبلها الرئيسُ الفرنسي شخصيًا لشجاعتها وقلّدها وسامًا رفيعًا.. هذا يسفّه حديث: [جهاد المرأة، تمتّع الآخرين].. هذا يكذّب فتوى (جهاد النكاح) الذي أفتى به الزنادقةُ، وأعداءُ الإسلام، وصدّقه الجهلةُ والسُّذجُ، والمغفَّلون في هذه الأمّة البائسة. لقد سمعنا في العصر العباسي على عهد (المنصور) بالأميرتيْن (ابنتَيْ عمّه) اللّتين سارتا إلى ميدان القتال، وقد ارتدتْ كلٌّ منهما درعًا وفاءً بيمين أقسمتاه في إبّان الصراع مع (مروان)؛ وفي زمن (الرّشيد) أيضا كيف أنّ الفتيات العربيات كنّ يذهبن إلى القتال على صهوات الجياد ويقُدنَ الجيوش.. لقد كانت أمُّ (الـمُقْتدر) ترأس بنفسها المحكمةَ العليا، وتجلس للمظالم، وتستقبل الأعيان، والوجهاء، والسّفراء الأجانب.. لم تعطَّل المجالسُ التي كانت تُعقَد في منازل النساء المثقّفات إلاّ في عهد (المتوكّل) الذي كان محاطًا بفقهاء السُّوء، أصحاب فتاوى الظلامية..

في يوم (رزيّة الخميس) أي قبْل أربعة أيام من وفاة النبي الكريم، طلب رسولُ الله أوراقًا ودَواةً قائلا صلّى الله عليه وسلم: [هاتُوا بيَاضًا ودَواةً أكتب لكم كتابًا لا تَضِلُّوا بَعْدي أبدًا.].. فكثُر اللّغطُ بيْن القوم؛ فقالت إحداهُنّ: [اعْطُوا رسولَ الله ما طلب]؛ فنهرها أحدُهم قائلا: [اخْرسِي!]؛ فقال له رسولُ الله: [اخْرَسْ أنتَ، هنّ خيْرٌ منكَ]؛ فلم يُكْتَبْ ذلك الكتاب، فسمّي اليومُ (رَزيَة الخميس) لهوْل ما ترتّب عنه.. وقبْل وفاتِه، قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم: [أوصيكم بالنّساء خيرًا]..



صاحب المقال : فارس محمد