هل هجرةُ الخرّيجين دليلٌ على جودة التعليم؟

هل هجرةُ الخرّيجين دليلٌ على جودة التعليم؟

2019-03-13 08:47:31

لسّادةُ الوزراء الكرام يروْن لطُول أعناقهم (الزّرافية) ما لا نراه نحن الأقزام؛ فقد رأى أحدهم خلال شهر (فبراير) المنصرم، أنّ هجرة المتخرّجين من الجامعات والمعاهد، دليلٌ قاطعٌ على جودة التعليم ببلادنا؛ فنحن نصرف أموالا طائلةً على منظومة التعليم حتى يتخرّج منها شباب مغربي يصْلح لدول أجنبية، ولا يصلُح لبلده المغرب؛ فما دام الشبابُ الخرّيجُ يهاجر إلى ما وراء البحار، فمنظومتنا التعليمية بخير، ولا تشكو من أي ضعف أو نقص عكْس ما نعتقده نحن الجَهَلة.. فكلّ ما يحدث في هذا البلد، فهو إيجابيٌ، تحْسُدنا عليه دولٌ أخرى حتى المتقدّمة منها.. فالهجرةُ السّرية ستكون شيئًا معبّرًا عن تحسُّن الأحوال في البلاد، وتعطي الدليلَ على أنّ هناك حرّية، وشبابًا مغامرًا، لو وصل إلى دول أوربّية لأصبح من (مغاربة العالم)، ولو وجد شغلاً قارّا لاستفاد خلال فترة الصّيف من (عملية مرحبًا)؛ لكنّه لو غرق في البحر، لقيل إنّ مافيات الهجرة غرّرتْ به.. هكذا تفسَّر الظواهر في هذا البلد حسب مزاجية المنقضّين على رقبة الشعب المغربي الأصيل الذي يكْذبون عليه في تلفزتهم، وإداراتهم، وبرلمانهم..

فيوم الأربعاء (20 فبراير) نظّم رموزُ الفساد في البلاد، جلسة في مجلس المستشارين الزائد عن الحاجة لمناقشة (الحماية الاجتماعية)، وفي الوقت الذي كان فيه الإسهالُ الكلامي دائرًا، كانت الحكومةُ الشّكليةُ المكوّنة من (40) فاشلاً من القِطاط السّمان قد أعطت المبرّر للمدرّسين للخروج في احتجاجات مطلبية، فقمعهم أبناءُ الشعب الذين يرتدون بزّات الأمن الوطني، وهكذا تجد أنّ الشعبَ يقمع الشعبَ للحفاظ على امتيازات أكلَة خيرات الشعب، فيسمّون ذلك حفاظا على الأمن، وعلى سلامة المواطنين.. وفي نفس اليوم، أي (20 فبراير) عرفتِ الوظيفةُ العمومية إضرابًا عامّا في كافة ربوع الوطن، وفي نفس اليوم، بدأ مهرجان (هاليُوتي) أو الاقتصاد الأزرق، في مغرب هيْهات أن يتذوّقَ فيه المواطنُ سمكَ بلده؛ وهكذا تنضاف كذْبة (الاقتصاد الأزرق) إلى وهْم (المغرب الأخضر)، وهما فِلْمان خياليان تُنْجِزهما التلفزةُ للضّحك على الذّقون..

حسب قناة فرنسية، فإن (30 ألف) مهاجر مغربي يتسكّعون اليوم في شوارع (باريس)، ويجوبون المزابلَ بحثًا عمّا يسدّون به الرّمق، وينامون على الأرصفة، وتحت قناطر نهر (السّين)؛ بماذا سيفتخر (العثماني)، وأية قيمةٍ له وهو يستقبل أوروبّيين يعرفون حقيقةَ الأمر؟ ولكنْ كرامة (العثماني) بادتْ، ونفسُه ماتت، وكان أولى له أن لا يظهر على الشاشة لأنّ المغاربةَ ما عادوا يطيقون النظر إليه، وقد غشيتْه مسكنةٌ، وأرهقتْه ذِلّةٌ، وهو الآن يبحث عن (ڤِيلاّ).. هؤلاء المغاربة المتسكّعون في شوارع (باريس) هم كذلك أبناءُ الوطن، ولهم في خيراته نصيبٌ منصوصٌ عليه بشرائع السماء، وقوانين الأرض.. لكنّ خيرات البلاد صارت اليوم في قبضة (شَهْبَنْدَر التُّجار)؛ فلم يحْدث في تاريخ المغرب الطويل أن استحوذ شخصٌ واحدٌ على خيرات البلاد من فِلاحة، وأسماك، وأشجار، ومياه، بالإضافة إلى التحكّم في أثمان المحروقات، وقد حصد منها الملايير، ممّا كان من شأنه أداءُ كافّة ديون المغرب للبنك الدّولي، وإنهاء هيمنتِه على قوت المغاربة.. لقد أوصى اللهُ عزّ وجلّ بإقصاء التجار من التسيير والتدبير في الدولة، كما أوصى بذلك النبيُّ الكريم، كما نصح بذلك كافّة الفلاسفة والحكماء؛ ومع ذلك تجد التجارَ يمارسون السياسةَ في البلاد، وكلّ يوم يعودون بالمجتمع إلى الخلف؛ فصار المغرب مجرّد حانوت، واستحال المغاربةُ إلى مجرّد زبائن، وكان الوزراء مجرّد سماسرة وباعة، يستدرجون الناسَ بالكذب، ويسْتحمِرونهم، ويأكلون في بطونهم نارًا، وهم لا يشعرون..

أفتح كتاب (أنيس منصور) وهو بعنوان [يسْقُط الحائطُ الرابع]، لأقرأ في رأس الصفحة قولَه: [إنّ كلّ فلسفة لا تقاومُ الجوعَ في العالم، لا تساوي وزنَها ورقًا.. إنّ كلّ كاتب لا يتعذّب عند رؤيتِه لطفل جائع، هو كائنٌ قد صفّى حسابه مع ضميره، ومع مسؤوليته كاتبًا وإنسانًا]؛ فأهتفُ دون شعور: (واو؛ واو؛ واو!) هذا كاتبٌ قد تدفّقت الوجودية في دمائه.. فإذا كان هذا هو الحُكم الصادر في شأن كاتبٍ لا مُبالٍ، فما بالُكَ بسياسي، أو مسؤول يتجاهل هذه الحقيقةَ الـمُرّة؛ وإذا كانت فلسفةٌ كهذه لا تساوي وزْنها ورقًا، فما هو ثمنُ أو قيمة سياسي يعْبثُ بخيرات الأمّة، والناس فيها يتضوّرون جوعًا، ويسكنون في العراء، ويعانون كافة الأمراض؛ مسؤولٌ كهذا صفّى حسابه مع ضميره كمسؤول، وكإنسان..

أمّا بخصوص وزير التعليم الذي يرى أنّ هجرة الخريجين دليلٌ على جودة التعليم، فإن الشاعر (ابن ماكُولا) يقول له: كلاّ! ويفسِّر له بأبيات أسباب هذه الهجرة فيقول، وهو بباب مكتب الوزير:

قَوِّضْ خِيامَكَ عن أرضٍ تُهان بها * واجْتنبِ الذُّلَّ، فإنّ الذّلّ يُجْتَنَبُ

وارْحلْ إذا كان في الأوطان مَنْقَصَةٌ * فالمنْدَلُ الرّطبُ عند أهلها حَطَبُ

وفي بلادنا، فإنّ كلّ منْدلٍ رطبٍ قد صار حطبًا، ولكنْ دوامُ الحالِ من المحال؛ فكلّ شيء يتحركُ في هذا الوجود، ويتغيّر، (سُنّة الله في الأرض)، فاحذَروا مكْر التاريخ يا من أذهبتْ بِطْنتُكم، فِطْنتَكم؛ حذارِ قبْل فوات الأوان.. فهذه أرضُ الله، بسطها الله لخلْقه كافّة إذ قال عزّ وجلّ: [وامْشوا في مناكبِها، وكُلوا من رزقه]؛ فمن يحْرِم الناسَ من رزق الله، فسوف يُحرَم هو منه.. هؤلاء قومٌ لا ضميرَ لهم، وقد توهّموا الخلود، ولعبَ المالُ بعقولهم، وسرقوا الأمة، وخانوا الوطن فتبّا لهم، وخاب من والاهم.



صاحب المقال : فارس محمد