في ألمانيا ما تحتاجه الشعوب التي تنشد التقدم (2-2)

في ألمانيا ما تحتاجه الشعوب التي تنشد التقدم (2-2)

2017-03-15 12:35:41

قد يخيّل للقارئ الكريم، أني أبالغ في التنويه بألمانيا وبشعبها السعيد، والفريد من نوعه في دنيا الله؛ أو أني أعطيها حجما أكثر من حجمها؛ أو أني أنسب إليها مفاخر وإنجازات ليست لها.. كلا! فأنا لستُ شاعرا مدّاحا يتكسّب بشعره، أو قلما وصّافا يصف شخصا بما ليس فيه من محاسن ومميزات، بمقابل، كما هو شأن عدة أقلام في كل زمان.. فإذا كنتُ أمدح ألمانيا، فأنا لست جرمانيا أو من جنس آري، بل أدلّل على ما أقوله بالحجج والدلائل، مرفوقة بأمثلة من التاريخ، والواقع الماثل تحت الأنوف، وهيهات مِن تجاهُله.. فألمانيا أسدت خدمات، وجادت بإبداعات، ولها أفضال في شتى المجالات الفكرية والعلمية.. فالألمان هم الذين دمّروا معابد الفلسفة منذ عصر اليونان، وأقاموا لها صرحا جديدا، بعيدا عن الأوهام، إذ الفلسفة كانت أشبه بالأساطير، فحوّلها الألمان إلى منهج عقلي، وأنزلوها من السماء إلى الأرض، وأخرجوها من بؤسها، ومن سمادير الأوهام؛ وبعدما كانت فلسفة [قطعيةً] تقْطع بلا دليل ولا تحليل، صارت بفضلهم فلسفةً [نقدية]، وكان هذا على يد فيلسوف كبير يدعى [إيمانويل كانط] الذي قُسِّمت الفلسفة على إثره إلى شقين: [ما قبل كانط] و[ما بعد كانط] حتى قيل: [لكي يصبح الإنسان فيلسوفا، لابد له من أن يمرّ على باب كانط].. أليس هو القائل: [دعْ خصمَك يعبّر عما يعتقده حقّا، ولا تحاربْه إلا بأسلحة العقل وحدها]؛ اُنظر كتاب: [كانط أو الفلسفة النقدية] للدكتور (زكريا إبراهيم)؛ صفحة 31.. لكن ماذا لو كان السؤال عنيدًا، ولم يجدْ بعدُ جوابا منطقيا أو تحليلا؟ هنا وجب [تعليق السؤال] لا إلغاؤه كلية: [هو سّيرْل] زعيم [المنهج الظهراتي] الذي اعتمدته [الفلسفة الوجودية] بزعامة [هايدغير] صاحب الكتاب الشهير [الوجود والزمان] الذي فسّره، وتوسّع فيه [سارتر] في كتابه الضخم: [الوجود والعدم]؛ وسارتر هو من أصل ألماني من جهة أبيه.. أنجبت ألمانيا أيضا آخر الفلاسفة العظام على الإطلاق، ويتعلق الأمر بالفيلسوف [هيغل]، صاحب [الدياليكتيك] وما زال هذا المفكر، محتفظا بسطوته ونفوذه بين أوساط الفلاسفة والمفكرين إلى ما شاء الله.. وله موقف إيجابي من الإسلام، وأشاد [بالفرابي، والغزالي، وابن رشد]، واعترف بأنه لولا الفلاسفة المسلمون لما عرف الغرب [أرسطو]؛ لكنّ خطأه الوحيد، هو أنه هنأ فرنسا لاحتلالها شمال إفريقيا سنة (1830) ولم أعرف حجته في ذلك، رغم ما قمتُ به من بحث في هذا الشأن للأسف الشديد.. فمعذرة!

قد أتحول إلى مؤرخ في تاريخ الفلسفة، لو أنا صمّمتُ على ذكر كل أقطاب الفلسفة الألمانية من أمثال [فيورباخ، وماركس، ولايبنز، ونيتشه، وياسبيرز] وغيرهم كثير، وهذا غير ممكن، لأني لست مؤرخا وليس باستطاعتي ذلك؛ غير أن ما ذكرتُه يفي بالغرض، لإعطاء فكرة عما حققه الألمان في ميدان الفلسفة؛ لكنْ ماذا عن ميداني الأدب والفن؟ هنا سأذكّر بأسماء معروفة جدا، دون الدخول في تفاصيل قد تأخذني بعيدا في السرد، بل سأقتصر فقط على ذكر الموسيقار [باخ، وبيتوڤن، وڤاغنر]؛ وفي ميدان الأدب، سأذكر [غوته] العملاق؛ وفي ميدان الإصلاح الديني، لا ينبغي أن أنسى مثلا [مارتن لوتر] صاحب نظرية [البروتستانتية]؛ وفي ميدان الاختراعات، يجب أن أذكر [غوتنيرغ] مخترع الطباعة التي كان لها أثر في الحضارة والفكر والأدب؛ و[نيكولاوس أوتو] الذي اخترع آلة الاحتراق الداخلي التي صارت نموذجا للسيارات، منذ ذلك الوقت، ولولاه لتأخرت السيارات والطائرات أيضا في الظهور للوجود؛ كما يجب أن أذكر [رنتجَن] مكتشف الأشعة السينية؛ وكذلك [يوهانس كِبْلَر] مكتشف قوانين حركة الكواكب..

أما في ميدان العلوم، فيجب أن نذكر مثلا [هَيْزَنْبِرغ] مكتشف [ميكانيكا الكم] وهي من أعظم الإنجازات في تاريخ العلم الإنساني، وقد رفضها [أينشتين] أول الأمر، ثم قَبِلها؛ ونظرية (الكم) كانت آثارها أعمق من نظرية (النِّسْبية)؛ ويجب أن نذكر [ماكس بلانك] الذي أعلن أن طاقة الموجات الضوئية تقفز بصورة غير متصلة، وهو واضعُ قواعد نظريات [الكم] كما سُمّي مبدأ علمي باسمه يدعى [ثابت بلانك]، حيث يستحيل تحديد سرعة الجُسَيْم وموقعه في نواة الذَّرة في آن واحد؛ ولابد من التضحية بواحد منهما خلال العملية.. لكن وبدلا من أن نذكر كل هؤلاء القدامى كان يكفي أن نلفت الانتباه إلى وسائل الاتصال، وإلى القنوات الفضائية، وإلى تلك الأشياء المعلَّقة خارج الغلاف الجوي، ثم نسأل عمّن مهّد الطريق إلى الفضاء؟ إنه الصاروخ [ڤي: 02] الذي اخترعه [فورنَرْڤون براون] سنة (1944)، وكان يحمل قنابل حارقة إلى [لندن] في أقل من ثلاث دقائق بعدما يصل إلى طبقة جوية ساكنة لم يصلْها أي شيءٍ طائرٍ من قبل؛ الصاروخ هو الذي فتح الطريق نحو الفضاء؛ وهو الذي أدى إلى كل هذه الاختراعات، من قنوات تلفزية، وهواتفَ نقّالة، ونتٍّ، وقسْ على ذلك؛ [ڤون براون] سُجن من طرف الأمريكان، وهو الذي وفّر عليهم 25 سنة من البحث، وما زالت صواريخه [ساتورن 05] معتمدة من طرف [نازا] إلى يومنا؛ الألمان هم مخترعو الطائرة النفاثة [ميشَرشميت 262] في آخر الحرب العالمية الثانية.. بعد انتهاء الحرب، اختبأ العلماء الألمان في جبال [هارتز] واعتقدوا أنهم سيُقتلون؛ لكنّ [ڤُون براون] قال لهم: [لا تخافوا؛ ففي رؤوسنا ما تحتاجه كل الدول] وكذلك كان.. ففي ألمانيا، وإلى يومنا هذا، ما تحتاجه كل الدول؛ أليس كذلك؟



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق