مُدن "داعشية"

مُدن "داعشية"

2017-03-21 12:54:43

الحريق الـمُهول الذي أتى على "مصنع" للخشب في سيدي موسى بسلا، قبل يومين، وأفضى إلى الموت والجرح الخطير في صفوف رجال الوقاية المدنية والاحتراق والانهيار، كشف أن العديد من الأحياء في المدن، إن لم تكن مدنا بعينها أصبحت قنابل قابلة للانفجار في أي لحظة، ليس بأفعال إرهابية، لا قدّر الله، ولكن بأسباب أكثر خطورة، أقلها عدم احترام قواعد ومعايير السكن المعمول بها في جميع بلدان المنتظم الدولي من أجل سلامة الأرواح وتفادي الخسائر في البنيات واللوجيستيك. وتبقى أهم هذه الأسباب السلبية سماح سلطات المدن والمنتخبين بإنشاء ورشات للصناعة بمختلف الأنواع ومحلات الاتجار في مواد استهلاكية خطيرة أو مستودعات لتخزين مواد قابلة للاشتعال والتسبب في الحرائق وقابلة للإضرار بسلامة المواطنين قبل سلامة البيئة..

إذا كان المغرب خطا خطوات كبيرة في تحصين نفسه بحماية المواطنين والجاليات الأجنبية والسياح ومؤسسات الدولة والمرافق الحساسة ومصالح الدول الصديقة والشريكة الموجودة بالمغرب، حماية من كل خطر إرهابي محدق عبر خطط استباقية فعالة، تتضمن ما هو أمني صرف وما هو روحي ديني، وتعود إلى تضافر جهود كل الأجهزة الأمنية و"الدينية" بتعاون مع المجتمع المدني، فإن سياسة المدينة التي تم تخصيص وزارة قائمة الذات بشأنها، ووصية عنها في العقد الأخير، على الأقل، بإرادة من الملك محمد السادس وبعبقرية سامية، تدخل في إطار الاستراتيجية الجديدة لبلورة مفهوم المدينة كآلية للعمران الحضري، لا تزال سياسة بعيدة عن الأهداف المسطرة لها، حيث أُريد لها أن تكون مدنا بالقواعد والمعايير التي تقوم عليها المدن العصرية في كل الأقطار والأمصار، ليست المتقدمة منها وحسب، وإنما حتى الصاعدة منها، معايير وقواعد تجمع بين الجمالية ومقومات العمران العصري وتكريس مفهوم البيئة والحفاظ عليها، دون التفريط في تثبيت سبل الراحة والسلامة من كل الآفات والكوارث..

 قد نفهم من نجاح "سياسة المدينة" الدور الكبير الذي لعبته في القضاء على أحياء ومدن الصفيح وتفكيك تجمعات التهميش والإقصاء المفضية إلى براثن الجريمة بكل أنواعها والتطرف، لكن الذي لا نفهمه ولا نستسيغه هو تسامح سلطات المدن المغربية والمنتخبين والقائمين على "الشأن التجاري" والبيئي والصناعي وتساهلهم، على سبيل المثال لا الحصر، في "زرع" محلات أو مستودعات تجارية لبيع أو تخزين مواد قابلة للاشتعال بل إلى الانفجار.

الأمثلة كثيرة وواضحة يؤكدها وجود محلات بيع العقاقير المختلفة المتضمنة لمواد قابلة للاشتعال والانفجار، في جل الأحياء الآهلة بالسكان، وتتعداها إلى وجود ورشات صناعية متخصصة، تعتبر هي الأخرى قنابل موقوتة حيث تعتمد في صناعاتها على مواد قابلة للاشتعال، بل تتعداها إلى مستودعات لمواد غاية في سهولة الاشتعال والاحتراق وبالتالي حصد الأرواح والخسائر المالية والتشريد، ناهيك عن الجروح الخطيرة والأعطاب والمخلفات النفسية التي لا تختلف في جسامتها عن المخلفات والتأثيرات ذات البصمة الإرهابية..

 من مفهوم المدينة العصرية المتحضرة والذكية أن ينعم فيها المواطن بالراحة النفسية قبل الراحة المادية والجسدية، بمعنى أن تكون المرافق الحيوية هي الأكثر قربا إلى المواطن من قبيل السوق والإدارة بكل أنواعها والمدرسة والإعدادية والمستوصف والمستشفى بكل الاختصاصات، ووسائل ترفيه النفس والجسد في آن واحد، عبر قاعات الرياضة والفن والمساحات الخضراء، لا أن تكون مسببات الترهيب والفزع هي القريبة قربا يجعل منها مدنا داعشية، أكثر رعبا وأقرب إلى الموت والعاهة المستديمة وأقل راحة نفسية، ولو من دون وجود دواعش بين أهاليها..



صاحب المقال : عفري محمد
إظافة تعليق