شبّه الإسلامَ بالإيديولوجيا والقرآنَ بكتاب "كفاحي" (1-2)

شبّه الإسلامَ بالإيديولوجيا والقرآنَ بكتاب "كفاحي" (1-2)

2017-03-31 10:52:08

أول انتخابات ستُجرى داخل الاتحاد الأوربي هي الانتخابات الهولاندية؛ ولهذا الغرض، نظّم حزب [الحرية] تجمعًا خطابيا ضخما يوم الإثنين 06 مارس 2017، تحدّث خلاله زعيمُه اليميني المتطرف [غيرت فيلدرز] مطوّلا، فكان الخطاب أقرب إلى محاضرة منه إلى خطاب انتخابي؛ ومعلوم أن هذا الزعيم معروف بعدائه للإسلام والمسلمين بشكل عام.. فالذين يناصرونه ويسمعون خُطبه هم الهولانديون ذوو المستوى الدراسي والثقافي المنخفض، ويمثّلون نسبة 35 بالمائة من مجموع سكان دولة [هولاندا] حسب إحصائيات حديثة، وأمام هؤلاء ولعلمه بانخفاض مستواهم الثقافي، يقول [فيلْدَرز] في خطبه ما يشاء أمامهم، تماما كما يحدث عندنا عندما يخطب المتمسّحون بالدين أمام الأمّيين والعوام، وذوي المستوى الثقافي المنحطّ، وهو ما كان له تأثير سلبي، ونتائج كارثية في وطننا العربي، وفي أمتنا الإسلامية من طنجة إلى جكارتا..

لقد اعتبر الخطيبُ الهولاندي المتطرف الإسلامَ، بأنه ليس دينا، وإنما [إيديولوجيا]، وأن القرآن الكريم هو أشبه بكتاب [كفاحي] لهتلر، وهو إنجيل [النازية] حسب تعبيره.. كما أشار إلى كون المسيحية هي دين البلاد، ودين السلام، والمحبّة، وأوصى الهولانديين بألاّ يرسلوا أولادَهم إلى مدارس إسلامية، أو إلى مساجد، وألا يسمعوا للأئمة والفقهاء، حتى لا يتأثروا بهذه [الإيديولوجيا] التي تدعو إلى الدموية، والكراهية، والعنف؛ وعلى حكومة [هولاندا] أن تسدّ أبواب هذه الدور، كما عليها أن تسد الحدود أمام المهاجرين، وأن تطردهم من البلاد.. كانت هذه هي الخطوط العريضة لخطابه المفعم بالعنصرية، والكراهية ومعاداة السامية.. من هنا يظهر جليا أن [فيلدرز] متوسط الثقافة، ثم إنه لا يعرف شيئا عن الإسلام، ولا عن القرآن، ولا عن كتاب [كفاحي] لهتلر، وجمهورُه هو أكثر جهلا وأمية في هذا المجال على وجه الخصوص..

فلو كان قرأ كتاب [كفاحي] لأدرك ما يقوله [هتلر] بخصوص العرب والمسلمين الذين وصفهم بأوصاف لا تليق؛ ولو كان قرأ [كفاحي] لأدرك ما يتضمّنه من تناقضات، وما يتميز به من أخطاء تاريخية، ودينية، لأن [هتلر] أفتى هذا الكتاب على رفيقه [هيس] في سجنهما بقلعة [لانْدَسْبيرغ] ولم يكتبه بخط يده، ولم يراجعْه، حتى لإن النسخة الألمانية مليئة بالأخطاء اللغوية والنحوية كما يقول أساتذة اللغة، ودارسو هذا الكتاب، وناقدو مضامينه، ولم تكنْ له أية شهرة لـمّا نُشِر، ولم يلتفت إليه أحد حتى بلغ [هتلر] هرم السلطة في ألمانيا؛ فشهرة [هتلر] هي التي شهرت هذا الكتاب وليس العكس، وأنّى لِـ[فيلدرز] أن يعرف ذلك، وكذلك الجهلاء الذين يسمعونه، ويتّبعونه، ويصدّقونه لجهلِهم، وانحطاطِ مستواهم الثقافي..

أما قوله إن الإسلام [إيديولوجيا]، فهذا يدلّل على جهل [فيلدرز] وجمهوره.. دعْنا أولا ندقق في معنى هذا المصطلح الذي كان في بدايته مصطلحًا يدل على علم محترم، وأول من استعمله هو المفكر الفرنسي [دستوت دي تراسي] لأول مرة سنة [1801] في كتاب له بعنوان: [تخطيط لعناصر الإيديولوجيا] إشارة إلى [العلم الذي يدرُس الأفكار، ويقوم بالبحث في وقائع الشعور، ليحدد خصائصها، وقوانينها، ونشأتها، وعلاقاتها بالعلامات التي تمثلها؛ وبالجملة كانت [الإيديولوجيا هي علم الأفكار] وكان [المنهج الإيديولوجي] منهجا علميا يسير عليه الفلاسفة في تحليلهم للأفكار، وبحثهم عن مصادرها؛ فكان [الإيديولوجيون] هم جماعة الفلاسفة الذين اقتفوا آثار الفيلسوف [كونديّاك: 1715 ــ 1780].. لكن هذا المصطلح ارتبط بمعاني الذَّم لَـمَّا استعمله [نابليون] ليحقّر جماعة من الفلاسفة الذين كانوا يعارضون أطماعه الاستعمارية، فأطلق عليهم اسم جماعة [الإيديولوجيين]، ومنذ تلك اللحظة، أصبح لكلمة [إيديولوجيا] معنى سيِّئ، حتى جاء [ماركس: 1818 ــ 1883] فوضع الكلمة في مقابل [وقائع اقتصادية]، ونسب صفة [الإيديولوجيا] إلى كل ما هو متصوّر عقليا.. اُنظر كتاب [مشكلة الفلسفة] للدكتور [زكريا إبراهيم]؛ صفحة: 241..

وعلى هذا الأساس، فالإسلام هو دينٌ من عند الله، وليس تصوُّرًا عقليا؛ والقرآن هو كتاب من عند الله، وليس فيه ولو بصمةٌ أو كلمة مصدرُها البشر؛ بل له لغة تسمّى لغة القرآن، ولا تعادلها أو تشبهها أو تنافسها لغةُ نثرٍ لكاتب أو أديب قديما وحديثا؛ أو شذى أشعار لشاعر مهما كانت فحولتُه في الشعر؛ فلغة القرآن ليست نثرا، وليست شعرا، بل إعجازا لغويا يدلّل على أنه كلامُ الله عز وجل، وأن الإسلام ليس [إيديولوجية] فيها نشأة اجتماعية، ولم ينزل للعرب وحدهم بل للعالمين؛ ولهذا، فالإسلام كدين من عند الله شيء؛ والدين الذي يدّعيه أعداءُ الإسلام، والخوارج، والسياسيون شيء آخر، ولا علاقة له بالإسلام ولا بالقرآن إطلاقا بدليل ما يقومون به من أعمال لم يقرّها الإسلامُ أو القرآن؛ ولم ينهجها رسول الإسلام، ولم يأمر بها، لأنه أُرسِلَ رحمة لا نقمة للعالمين، وليس هناك ما يسمّى إسلاما معتدلا، وإسلاما متشدّدا؛ كلا! هناك إسلام واحد جاء باليسر، والسلام، وبحرية الاختيار..



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق