مع اعتذاري لعبدة ولعبيد فرنسا في بلادنا

مع اعتذاري لعبدة ولعبيد فرنسا في بلادنا

2017-04-11 11:21:07

امتازت الحملة الانتخابية في فرنسا بالعجائب والغرائب، ولكن أهمّها الفضائح التي طفت على السطح، فأين من وظائفَ وهمية تحكّمت فيها الزبونية، والمحسوبية، والمنسوبية، وقد كان من أبطالها المرشحان [فيون ولوبّين]؛ ومع ذلك ما زالا يخوضان الحملة، وينظمان تجمعات رغم أنهما مطلوبان للعدالة؛ وهكذا تجد [فيون] يخطب في الناس في الوقت الذي تُسْأل فيه زوجتُه عن وظيفة وهمية تقاضت إثرها آلاف الأوروهات من خزينة الدولة، ناهيك من ولدها القاصر الذي تولى وظيفة وهمية، والتهم كلها ثابتة، ومع ذلك ظل [فيون] حرّا، ومرشّحًا للرئاسة؛ فيما الفنان المغربي [سعد لمجرّد] ما زال يقبع في السجن مع المجرمين، والإرهابيين من أمثال [كارلوس] وغيره، بتهمة ثبت أنها ملفَّقة، ومتّهِمتُه الفرنسية الفاسقة المدلَّلة من طرف قاضي التحقيق تتمارض كيفما تشاء، ما دام القانون هو قانون بلادها الذي يحمي القتلة والفاسقين..

زار الشيخ [محمد عبده] وهو من دعاة الإصلاح، صديقا فرنسيا مستشرقا في [باريس]؛ فسأل [محمد عبده] قائلا: [لقد قرأتُ القرآن، وتحدّثَ عن كل شيء، لكنه لم يذكر [باريس] مدينة الأنوار؟]؛ فردّ عليه الشيخ محمد [محمد عبده] قائلا: [كلاّ؛ لقد ذُكرت (باريس) في القرآن]؛ فقال المستشرق الفرنسي: [في أية سورة، في أية آية ذُكرت؟]؛ فأجاب [محمد عبده]: [لقد ذُكِرت في سورة الأعراف، وجاء ذكرُها في الآية: 145: (سَأُريكم دار الفاسقين)].. ومعلوم أن في [باريس] توجد الخيانة، والخلاعة، والشذوذ، والنفاق، والبخل الأسود، والكذب، وتُعْتبر [باريس] معقلا للمجرمين، وتجار المخدرات، وسوقا للمتاجرة بالبشر، ومُجمّعًا للخونة وأعداء أوطانهم، وكثيرون هم الذين ذهبوا لتلقّي العلوم، فتعذّر عليهم ذلك، فعادوا بالشذوذ، وأمراض أخلاقية حسبوها تقدُّما وحضارة.. ذهبتْ ذات يوم فتاةٌ عربية للدراسة في [باريس] وتدعى [ليلى الشعراوي]؛ ولـمّا عادت، وهي نازلة من السفينة، خجل أبوها أمام الناس لمظهرها شبه العاري، ورفض استقبالها، وعاد مذموما ملوما فجعل منها الإعلام الفاجر، زعيمة لحرية المرأة في مصر، ورمزا للمرأة المتحررة من الأخلاق، والقيم، والشرف؛ أي منحلَّة.. فصارت تنظم مسيرات قمعتْها الدولة آنذاك بعنف، فأنشد [حافظ إبراهيم] ساخرا: فتَضَعْضَعَ النِّسوان والنِّسوان ليس لهنّ مُنَّهْ (أي قوة) * ثم انهزمْنَ مشتّتات الشمل نحو قصورهنّهْ (أي بيوتهنّ).

[باريس] هي منشأ العنصرية، ومصدر النزعة الاستعمارية، وكعبة السّادية والخلاعة.. قد يسألني القارئ الكريم إن كان لدي دلائل تؤكد ذلك؛ وجوابي هو: نعم؛ هناك دلائل لا شكّ في ذلك.. فصاحب [العنصرية] الذي أثّر في كافة العنصريين عبر العصور هو الكاتب والدبلوماسي الفرنسي [جوزيف أرتور دي غوبينو: 1816-1882]، وبه تأثر بعض المفكرين الجرمان، الذين تعلّم منهم [هتلر] العنصرية المقيتة، وما زالت فرنسا تحيي ذكراه، وترفع من شأنه، وتسير على خطاه في تصرّفاتها إلى اليوم، و[مارين لوبّين] تبقى أكثر صراحة، وأقل نفاقا من غيرها في فرنسا العنصرية في شتى الممارسات، التي يخفونها برداء القانون، والديموقراطية، وبعدّة قرارات لإخفاء الطابع العنصري المقيت.. وماذا عن النزعة الاستعمارية الدموية؟ هذه النزعة وراءها [جول فيرّي: 1830-1893] وهو باريسي المولد والنشأة، وكان كذلك سياسيا، ووزيرا، وهو الذي شرّع لفرنسا نزعتها الاستعمارية لشعوب اعتبرها دون مستوى الإنسانية، وعلى [هدْيه] سارت فرنسا، فما تخلّصت من تأثيره إلى يومنا، ودليلي هو استعلاء الفرنسيين في المستعمرات القديمة مثل بلادنا.. لكن ماذا عن الخلاعة والسّادية؟ يعود "الفضل" في الخلاعة للأديب [ماركيز دوساد: 1814-1740] وقد ألف كتابا عنوانه: [جوستين وتعاسة الفضيلة] في سنة [1791]؛ كما اشتُقّت من اسمه [السّادية]، وبها عُرف الفرنسيون، ومارسوها في مستعمراتهم، وما زالوا يطبّقونها إلى اليوم في قانونهم، وسياستهم، بطريقة لا شعورية، وتلقائية مع غيرهم..

والآن هيّئْ نفسك سيدي القارئ الكريم للمفاجأة التالية، واعتذاري لعبدة وعبيد فرنسا؛ لكن هذا هو التاريخ، ولا لوْم عليّ على كل حال، خاصة وأني وعدتُ القرّاء بأن أُطلِعهم على كل ما يتعلق بأسرار فرنسا، كلما اكتشفتُ (مفْخَرة) من مفاخرها المشَرفة.. كثيرا ما يتحدّثون عن الليالي الحمراء للملك (لويس 16) وعشيقته [ماري أنطوانيط] لتبرير كذبة [الثورة الفرنسية]؛ كما يتحدثون عن [نابليون] وعشاق زوجته [جوزفّين] ليبرّروا طلاقه منها، وهي كذبة أخرى؛لكن لا يتحدثون عن فضائح رؤساء الجمهورية؛ وهل هناك فضائح جرت في قصر [الإليزي]؟ نعم؛ وما زالت تجري في عهد [هولاند] الاشتراكي، ولعل هذا ما عناه المرشح [ميلونشون] حين دعا إلى إسقاط [الملكية الرئاسية].. في سنة [1899] مات الرئيس الفرنسي [فيليكس فور] شهيدا؛ كيف ذلك؟ كان يمارس الحب مع امرأة متزوّجة، فبدأت بلحس (؟)؛ فلما كان يمْني وافته المنية وسكت قلبُه فجأة وإلى الأبد؛ ففرّت المرأة من النافذة؛ ولـمّا دخل الخدم، وجدوا الرئيس ميتا على الكرسي، وسرواله تحت ركبتيْه، و[جواهر الأسرة] كما يسمّونها بالفرنسية، مكشوفة للعِيان؛ مات الرئيس شهيد الإلاه [إيروس] إلاه الجنس والخلاعة والليبدو..

هل هناك المزيد؟ نعم، وبكل تأكيد؛ كيف ذلك؟ في سنة [1908] مات الرئيس [أدولف بيير]؛ وعُرف عنه أنه كان يخون زوجتَه مع أختها؛ ثم أكمل المفخرة حيث صار يضاجع أمها؛ وكان أول رئيس للجمهورية الثالثة.. فليس غريبا إذا صارت فرنسا بعد هذا التاريخ، تمارس [زنى الأمم] كما يقول [الإنجيل]، فيحرّرها في الحربين الأولى والثانية، رجالٌ آخرون، منهم المغاربة الشجعان؛ ومع ذلك تجد دبلوماسيا وبدون استحياء يشبّه المغرب بالعاهرة التي يضاجعها الفرنسيون، ولا يحبونها كما قال.. هل تريدون المزيد؟ فالرئيس الاشتراكي [فرانسوا ميتران] كان يخون زوجتَه [دانيال] مع المغنية [داليدا]؛ فليس غريبا أن يحذو حذوه مَن كان مدير حملته الانتخابية، وأعني به [هولاند] الذي سن قانونا يبيح الشذوذ الجنسي، ويسمح بالزواج المثلي، مما جعل [البابا] يخاصمه، ويسحب سفيره من باريس..

فحتى الشواذ في بلادنا يساندهم عمدة [باريس] السابق، الاشتراكي [دولانوي]؛ لذا تراهم لا يُمَسّون بأذى، بل حتى [بنكيران] صرّح بأن الدولة لا ينبغي لها أن تتدخل في الشواذ؛ بل كل الإصلاحات، ومنها المسّ بصندوق التقاعد قلّد فيها فرنسا؛ المترشحون للرئاسة كلهم يتعهّدون بإعادة النظر في هذا الإصلاح؛ لكن يُطَمئِنون الشواذ بأنهم لن يمسوا بقانون الزواج المثلي، ومن بينهم [فيون] الكاثوليكي، الذي يصلّي في الكنيسة كل أحد؛ لهذا تراهم يريدون مسخ الإسلام في فرنسا، بدعوى محاربة الإرهاب، خاصة وأن بعض الفرنسيين الشرفاء، يعارضون هذا الانحلال الخلقي الذي ينذر بتحطيم الأسرة.. فحتى الذين يعهّرون الديموقراطية، ويسكبون عليها زناهم، ويستبيحون المؤسسات، ويشُذّون عن النظافة، والوطنية، هم من تلاميذ، وعبدة وعبيد فرنسا.. فهذه الفرنسا قِبْلتُهم، وسياستُها دينُهم، ومفاسدُها ضالّتُهم، يتبعونها شبرا فشبرا، ثم ذراعا فذراعا، حتى إذا دخلتْ جُحْرَ ضبٍّ، دخلوه؛ وما دمنا نتأسّى بفرنسا في سياستنا، فلن نتقدّم خطوة إلى الأمام، ثم كل دائرة فارغة تفضي بنا إلى دائرة أفرغ منها، وهذه ليست لديهم مشكلة، ما دامت مناصبهم مضمونة، والأموال دافقة، والمحاسبة منتفية، فما الذي سيمنعهم من الضحك علينا بالحزبية، وبالديموقراطية، وبالتشكيلات الحكومية، وبمستقبل أفضل لن يأتي أبدا؛ وصدق حافظ إبراهيم حين أنشد:

ولهم أحابيل إذا ألقوا بها * قنصوا النّهى فأسيرُهم مخبول

فاحذر سياستهم، وكن في يقظة * سعدية إنّ سياستَهم غول

إن مثّلوا فَدَعِ الخيالَ، فإنّما * عند الحقيقة يسقط التمثيل..



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق