تاريخُ مَن يبعثون بتقارير في ميدان حقوق الإنسان

تاريخُ مَن يبعثون بتقارير في ميدان حقوق الإنسان

2016-05-19 09:10:19

كنتُ قد صغتُ مقالةً سابقة غداة صدور التقرير الأمريكي الجائر بخصوص حقوق الإنسان ببلادنا إلى جانب موقف الأمريكان المتعلق بوحدتنا الترابية.. وإذا كانت هذه المواقف قد أدهشت البعض، واستغرب لها البعضُ الآخر، فإن قلّةً من الناس اعتبروها أمرا طبيعيا هو من صميم السياسة الأمريكية، وقد يجانب الصواب كلُّ من يلوم الأفعى الرقطاء على لدغاتها، فيما ذلك هو من طبيعتها، ومن صميم وجودها، بل اللوم يجب أن ينصبَّ على من لم يأخذ حذره منها ولم يتَّقِ شرَّها.. صحيح، كما يقول الحكيم الصيني "كونفشيوش"، إنه من الضروري أن تكون للدولة أيضا أخلاق سلوكية، وأن تكون لها مبادئ قوية وملزمة، وأن تكون سياستها قدوةً حسنة لغيرها، إلا أن السياسة الأمريكية عبر التاريخ، هي عكس ذلك تماما.. لقد ذكر التاريخ أنها اضطهدت الفيلسوف "إمرْسَن" وسجنت زميله "ثورو" لكنها رحّبت واعتمدت فلسفة "ويليام جيمس" [1910-1842] زعيم الفلسفة "البراغماتية" التي طبعتْ سلوك الأمريكان، وغيّرت وجهة نظرهم؛ فبدل الالتفات إلى ما "كان" عند تحقيق فكرة ما، يلتفتون إلى ما "سيكون" بدل الالتفات إلى الماضي السابق؛ والفكرة تكون صوابا إن كانت نتائجها مما يسعف ظروف الحياة العملية، ويفيد في حل المشكلات؛ وهي خطأ إذا لم يكن لها مثلُ هذا الأثر، وهذه اللفتة عنصر مشترك بين البراغماتيين الأمريكان جميعا ولا يختلفون إلا حول بعض التفصيلات فقط.. من هنا نرى أنهم لا يعيرون اهتماما للتاريخ بتاتا، ويزدرون كل من يأخذ به، لأن التاريخ لا يسعفهم كأن تذكّرهم مثلا بأن المغرب كان أول بلد يعترف بقيام الولايات المتحدة الأمريكية، أضفْ إلى ذلك أن التاريخ يدينهم نظرا لسوْداوية ماضيهم ومفارقات سياستهم، لذا يغض الأمريكان الطرف عنه: اُنظرْ كتاب: "حياة الفكر في العالم الجديد" لزكي نجيب محمود؛ صفحة: 40..
إن المجتمع الأمريكي لم يُبْـنَ على أسس الديموقراطية، والعدالة، وحقوق الإنسان.. فالديموقراطية ليست لديهم فلسفةً ومبادئ وأخلاقا، وإنما هي آلية تنظيمية للتناوب على السلطة، والذي يفوز ليس بالضرورة هو الأكثر حكامة، وإنما هو الأكثر عددا وقوةً، ومع ذلك تشوب عملية الاقتراع شوائب ذكرها التاريخُ الذي يرفضونه، مثل نجاح "جون كيندي" بفضل تدخّل "جيان كانا" زعيم المافيا في "شيكاغو"، ونجاح "بوش الابن" بعد أخذ وردٍّ دام ستة أشهر، وكان لابد أن ينجح، ليتمم ما أرادته منه منظماتٌ سرية هدامة، ومن أبرز "إنجازاته" تدميرُ العراق، وخلقُ أزمة اقتصادية عالمية، أدت إلى ما يعيشه العالم اليوم، من بلبلة، وفتنة، وإرهاب، وإحلال سلطة مكان سلطة، وهلمّ جرا؛ وقد تجنّب "بوش الابن" خطأ "بوش الأب" الذي لم يأخذ تهديدات منظمة "إيباك" مأخذ الجد، فجعلتْه المنظمةُ يخسر الانتخابات، رغم "إنجازاته" خلال حرب الخليج.. فديموقراطية الأمريكان كانت تساند الديكتاتوريات عبر العالم، وقد ساندت مثلا "باتيسْطا" في كوبا؛ و"بينوشي" في الشيلي؛ و"فدِيلاّ" في الأرجنتين؛ و"دييم" في "ڤيتنام" الجنوبية وبعده "الجنيرال كاوْكي"؛ و"سيسيسيكو" في زايير؛ و"فرانكو" صديق "هتلر" في إسبانيا؛ و"جون كلود دوڤاليي" في هايتي؛ و"سوموزا" في نيكاراغوا؛ و"ماركوس" في الفلبّين؛ و"نورييغا" في بانما؛ والشاه في إيران؛ و"ضياء الحق" في باكستان؛ و"سميت" في روديسيا؛ و"بوتا" في بريتوريا؛ وكلهم كانوا أعداء حقوق الإنسان..
كان هذا قبَسًا عابرا من تاريخ الأمريكان خارج البلد؛ لكن ماذا عن تاريخهم في الداخل، وماذا عن حقوق الإنسان، والحرية، والديموقراطية التي حاربوا كما يدّعون من أجلها شرقا وغربا، وضحوا بملايين الأرواح في سبيل مبادئ لا يؤمنون بها إطلاقا، وكان إلى جانبهم بُلدان يعرقلون اليوم وحدتها الترابية، فيما هم سطوا على جزر ليست لهم، واستعبدوا سكانَها الأصليين هنا وهناك في عرض المحيطات، والصحاري المائية المالحة؟ واليوم تُتَّهم بلادُنا بسوء معاملة السجناء، لكن دعْنا نرى ما يحكيه التاريخ عن سوء معاملة المواطنين العزّل في بلد الحرية، وحقوق الإنسان، ولو بإيجاز بالغ لضيق الرقعة.. في 20 أبريل سنة 1914، اختُرع لأول مرة رشاشٌ يُدعى رشاش "ماكسيم"، فجرّبوه في عمّال وأسر منجم "لوزو" في ولاية "كولورادو" الذي كان في ملكية الثري "فيلر" فمات الكثيرون ونُسفت خيامُهم التي كانوا قد نصبوها في التلال عند الإضراب عن العمل، فلُوحظت فعّالية الرشاش عندما جُرّب في الغلابة قبل أن يُجرّب في الحرب الأولى.. وفي 07 مارس 1932 كان المدعو "طومسون" قد اخترع رشاشا أسماه "مكنسة الخنادق" ولما كانت الخنادق آنذاك ما تزال فارغة بعد الحرب الأولى، كان لابد من تجريبه بطريقة ما، وجاءت المناسبة حيث أضرب العمال في مصنع "ديترويت" لسيارات "هانري فورد"، فاستدعى الحرس الوطني الذي أطلق النار على المتظاهرين المضربين، لأن "فورد" كان يُلقَّب آنذاك "الملك هانري" وهو، براغماتيا، أهم من أي مواطن.. هذا الرشاش كان يسمى "تومي" وهو الذي اعتمدتْه فرق "المافيا" وعلى رأسها "آل كابّون"؛ وفي سنة 1967، تعرضت سفينة "لايبرْتي" لهجوم من طرف إسرائيل، في المياه المصرية، وكانت الحرب قد انتهت، ومات العشرات وجُرح المئات وما زالوا إلى يومنا هذا لم يُنصَفوا، بل هُدِّدوا صراحة بالسجن إن هم تحدّثوا عن هذه المأساة، إنها الديموقراطية، والعدالة، وحقوق الإنسان التي جاءت أمريكا لتلقّننا إياها؛ يا سبحان الله! على ذكْر "هانري فورد" يجب التذكير أنه كان يبعث لـ"هتلر" كل سنة مبلغ 50 ألف دولار بمناسبة عيد ميلاده، فيما كان "بريسكوت بوش" الجدّ، هو المتصرّف المالي لـ"هتلر"، وكانت له مصانع في "بولونيا" يعمل فيها السجناء الذين جلبهم له النازي الجزّار "فريتز ساوْكَل".. ثم لا ننسى ما فعلوه، هم والأمم المتحدة، في الصومال، حيث بعثوا بجنودهم تحت شعار ما أسموه "إعادة الأمل" سنة 1993 فصاروا يداهمون البيوت، ويذِلّون السكان، ثم حاولوا إلقاء القبض على "فرح عَيْديد" فكانت المأساة، وشُوهد الصوماليون وهم يسْحلون جثّةَ جندي أمريكي من فرقة "ديلتا"، ممّا جعلهم يغادرون الصومال مرغمين: اُنظر كتاب: "سقوط الصقر الأسود" لكاتبه الأمريكي: "مارك باوْدَن".. وكان هؤلاء الجنود وكذلك الصوماليون ضحية سياسة أمريكية خاطئة كما جرت العادة دائما وكما يذكر التاريخ.. ومنذ أيام فقط، صرّح وزير خارجية روسيا بأن "أمريكا تطالب بإشراك جبهة "النصرة" الإرهابية في المفاوضات الجارية حول "سوريا"؛ هل هذا معقول!؟ لذا فليس غريبا أن تراهم يتعاملون مع كمشة من الانفصاليين على حساب دولة عريقة ذات سيادة، استكملت وحدتها الترابية كباقي الدول المحترمة، وكأنّ هؤلاء اللصوص هم الذين يساهمون في قوات حفظ السلام، أو هم ركيزة من ركائز الحفاظ على الاستقرار والسلم في العالم ومحاربة الإرهاب بكل أشكاله..
وقبل الختام، يجدر بي أن ألفت انتباه القارئ الكريم إلى نقطة مهمة جدا، وهي أنه بالرغم من السمة التي تطبع عامّةً السياسة الأمريكية، إلا أن علاقة المغرب بهذه الدولة تعرف دائما فتورا، أو تشنّجات، أو مظالمَ وتهمًا مغرضة كلما كان الحزب الديموقراطي في الحكم؛ وهذا أمر معروف ومألوف لدى الملاحظ المتتبِّع للسياسة الأمريكية تجاه المغرب.. لكن مهما يَكنْ من أمر، فالزمن يؤدّي إلى نهاية، وقد دنت نهايةُ الحزب الديموقراطي، ومعه العميل "بان كي مون"، ثم لا ينبغي لنا أن ننسى أنّ في "نيويورك" وحدها، يوجد [16.500] محْفل ماسوني "وصهيومسيحي".. فهم يهدفون للتمزيق، ولخلق الكيانات المصطنعة في العالم العربي، ويوظّفون المرتزقة، وتجار السلاح، والسياسيين المأجورين، بل إنهم لا يتورّعون في توظيف شبكات تهريب المخدرات، وطلب خدمات "المافيات" الخارجة عن القانون، ولا أدلّ على ذلك ما حدث في سنة 1993 بخصوص ما سُمّي آنذاك "الشرطي الممزَّق" في "نيوأورليانز" فكانت الشرطة تحمي تجار المخدرات، وتقوم بحراسة شاحناتهم، وكان ذلك أيام حُكم الحزب الديموقراطي، الذي يريد اليوم إشراك جبهة، النصرة" في المفاوضات حول السلام في "سوريا"؛ فلا غرابة إذن إن رأيتَهم يبعثون "بان كي مون" لزيارة جبهة "البوليساريو" الإرهابية، أما حقوق الإنسان، والحرية، والديموقراطية وغيرها فهي موجودة فقط في الأفلام الأمريكية لكنّها منتفية في سجلات التاريخ، وفي ثنايا الواقع، وفي سياسة الأمريكان بوجه عام؛ هذه هي الحقيقة..


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق