هنيئا مِّي فرتونة صبرا مِّي عيشة ثم لله الأمر

هنيئا مِّي فرتونة صبرا مِّي عيشة ثم لله الأمر

2017-05-07 11:20:43

أُحيطت قضية [مولات البوطو]، ويتعلق الأمر بالسيدة [مّي عيشة]، التي تسلقت لاقطا هوائيا للتعبير عن ظلم لحق بها في دولة الحق والقانون، أيام حكومة (40) وزيرا، و(36) حزبا، وبرلمان بغرفتين، وعدد غثائي من الجمعيات، والمنظمات، وكل هذه المؤسسات تدّعي الدفاع عن حقوق وكرامة المواطن.. إن تسلُّقَ هذه السيدة لهذا العمود ليدلل على أن الظلم الذي نزل بها هو ظلم فظيع، وجور فادح، وإلا لماذا عرضت هذه السيدة وهي في هذه السن حياتها للخطر لو لم يكن الظلم عميقا، والجرح غائرا، والعدل غائبا.. هذا مؤكد ولا غبار عليه.. لكن هناك من استخف بالمشهد المؤثر، والمعبر، وأعاب على الصحافة التطرق إليه بدل التطرق لذكرى [الإسراء والمعراج] وهي ذكرى لم يأمرنا الله ولا رسوله بالاحتفاء بهما بقدر ما أمرانا بتحقيق العدل، ورفع الظلم، ونصر المظلوم على الظالم، أما [الإسراء والمعراج] فهما آيتان من آيات الله، إحداهما وردت في القرآن الكريم، وهي حادثة [الإسراء]، والثانية ذكرها الحديث الشريف وهي [المعراج] وكلاهما تتعلقان بإيمان المسلم، ثم صدق الله العظيم، وصدق نبيه الكريم..
فالإسراء والمعراج، هي مسألة إخبار وإعلام أُحيط بهما المسلم علما؛ أما قضية رفْع المظالم، وإنصاف المظلومين، فهي قضية إجبار، وأمْر من الله عز وجل، وكان فيها صارما غير متساهل، إذ خاطب نبيَّه الكريم بشدة: [لا تخاطبْني في الذين ظلموا إنهم مغرقون]؛ وهذا ما جهله وزير كان من وراء خطة إلغاء صندوق المقاصّة، يوم كان مكلّفا بالحكامة؛ وأية حكامة هذه التي يتمتع بها من فضّل الوزارة على مهنة التدريس المقدّسة، والتي تعتبر [جهادا أكبر] لقلة أجرها، وكثرة شقائها، وعظيم جزائها عند الله.. كان عليه أن يسكت، لأنه مدان هو وحزبه، وشيعتُه بالحجة والدليل؛ لأن في ولايته نزلت مظالم بالموظفين، والعمّال، والمتقاعدين، والأطفال، والأمّهات، والمعاقين؛ فكيف له أن يدرك ما ترمز إليه قضية [مّي عيشة] وهم يتابعون بقلق الوضع في [ڤنيزويلاّ] كما قالوا؟!
فحادثة [مّي عيشة] جاءت مباشرة بعد البرنامج الحكومي، وتزامنت مع أحداث [ڤنيزويلا] أفلا تنظرون؟! إن المؤرّخين سوف يعانون من وطأة الضحك وهم يكتبون أحداث تاريخنا المليء بالمتناقضات، والأكاذيب، والأعاجيب، وكان الله في عونهم.. قد يسألني القارئ الكريم، وحُقَّ له ذلك: [هل سيذكر التاريخ قضية مّي عيشة؟]؛ بكل تأكيد! لأنها ترمز إلى غياب العدل، تماما كما ترمز إلى مظالم أخرى اقتُرفت باسم [الإصلاحات]، فكان لها ضحايا كثر، فتنوّعت المآسي، واغتنت موسوعة المظالم؛ نعم؛ سيذكر التاريخ ذلك كما ذكر قضية الأم [فرتونة] أيام [عمر بن عبد العزيز] رضي الله عنه؛ كيف ذلك؟ هذا الخليفة العادل، صغار الأمور عنده مثل كبارها؛ لها الاهتمام نفسه، والمسارعة نفسها، وكان شعاره مع وزراء حكومته وولاته هو: [اعتدلْ أو اعتزلْ].. حمل إليه بريدُه يوما رسالةً من الجيزة بمصر، وكانت صاحبة الرسالة [مّي عيشة] عفوا [مّي فرتونة] تشكو لأمير المؤمنين أن الدولة قامت بإصلاح رقعة فسقط جدار دار [مّي فرتونة] كان يقيها اللصوصَ يسرقون دجاجها وبيضها، وذلك مصدر قوتها؛ شكت للوالي أمْرها فلم يسمعْها؛ وليس معها مالٌ تعيد به بناء الجدار..
فلا يكاد الخليفة يقرأ الرسالة، وهو في عاصمة خلافته بالشام، حتى كتب إلى واليه على مصر، وهو [أيوب بن شُرَحْبيل] هذا الخطابَ الصارم والحازم: [من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى أيوب بن شرحبيل، سلام الله عليكم؛ أمّا بعد؛ فإن (فرتونة) كتبتْ إليّ تشكو تهدُّمَ حائطها، وأن دجاجها يُسرق منها، وتسأل تحصينَه لها].. ونفسه البريد الذي حمل هذا الكتابَ لوالي مصر، حمل كتابا آخر من الخليفة إلى (فرتونة السوداء) يقول لها فيه: [كتبتُ إلى والينا آمر أن يبني لكِ الحائطَ حتى يحصّنه مما تخافين إن شاء الله].. ويقول [ابن عبد الحكم] الذي روى لنا هذه الواقعة الباهرة: [فلما جاء الكتاب إلى أيوب بن شرحبيل، ركب بنفسه حتى أتى الجيزةَ، وظل يسأل عن (فرتونة) حتى وجدها، فإذا هي سوداء مسكينة؛ فأعلى لها حائطَها]..
من الظلم أن نطالب السيد [بوليف] بهذا العدل، أو نذكِّره بما قاله عليه الصلاة والسلام: [لأن أمشي في حاجة أخٍ حتى تُقْضى، أحبُّ إلي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهرا..].. هذا في حاجة فرد، فكيف بحاجات أمّة، ومشكلات مجتمع، وسياسة دولة، يا من تدّعون الإسلامَ، وبآيات الله تشترون مناصب، ومكاسب، ووزارات.. [فمن لم يهتم بأمر المسلمين، فليس منهم] صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأريني منهم من يهتم بأمور المسلمين؟ فلا أحد منهم؛بل يهتمون بمصالحهم، ويكذبون علينا باسم الإسلام.


صاحب المقال : لزرق رشيد
إظافة تعليق