(موازين): "ألفا بلوندي" أفْضلهم على الإطلاق لماذا؟

(موازين): "ألفا بلوندي" أفْضلهم على الإطلاق لماذا؟

2017-05-19 12:11:40

ولما كنت عائدا من مدينة الرباط حفظها الله من كل مكروه، راعني مشهدٌ يدمي الفؤاد، ويجرح العواطف، ويؤذي المشاعر.. كانت صورة المغني الإڤواري [ألفا بلوندي] من الحجم الكبير، وإن كانت قديمة بعض الشيء، وكأنه ينظر إلى بائس وما أكثرهم في بلادنا، وهو نائم أمامه على الرصيف المقابل، تحت قيظ شمس حارة، وقد غاب عن الوجود؛ فتذكرتُ عبارة قالها [ألفا بلوندي] في أغنيته [الديموقراطية]: [الشعب يموت، وهم يحسبونه يفرح..].. وهي عبارة ذكرتني بأغنية للمغني الفرنسي الراحل [ليو فيرّي] الذي قال في إحدى أغنياته للفرنسيين [C'est rapé votre démocratie]؛ ثم ألف آخر أغنية بعنوان: [Paris je t'aime pas] ورحل إلى [طوسكان] في إيطاليا حيث مات وبها دُفن تنفيذا لوصيته.. كنتُ قد طلبت من أستاذي الفرنسي أن يبعث إليّ بأغانيه؛ فأعطيتُه عناوينها؛ فبعث بها إليّ إلا واحدة، قال إنها ممنوعة في المغرب؛ وحتى بخصوص الأغاني الأخرى، فقد اصطدمتُ بمشكل عندما طلبت مني الجمارك الإتيان برخصة من الإذاعة، حيث ارتابوا في تلك الأغاني، وقالوا لي إن هذا المغني ممنوع في بلادنا؛ فأقنعتُهم بأني أستاذ اللغة الفرنسية، وأحتاج إلى هذه الأغاني أُسمعُها تلامذتي خلال حصة [Poésie - diction]، وأعطيتُهم كدليل قصيدة [Spleen] للشاعر السريالي [شارل بودلير]، وقد غناها [ليوفيرّي]، وأريْتُهم قائمةً بالأغاني المحجوزة لدى الجمارك، فمنحوني الرخصة، وقد أديت ثمنا في الإذاعة، وآخر عند الجمارك؛ وعنوان تلك الأغنية الممنوعة هو: [Anarchiste].. فكلماته قوية، حيث يسخر من بعض الفلاسفة، كما ينصح بإلقاء [أوقليدس] في المزبلة؛ ولكن حصل انفراج، واستُضيف في مهرجان أصيلة الثقافي، إلا أن الأغنية المعلومة ظلت ممنوعة.. بل حتى في القنوات الفنية الفرنسية، لا تسمع أو تشاهد من أغانيه إلا أغنية [Avec le temps va; tout s'en va].. لقد كان وضعه يشبه وضع الفنان المصري الراحل والمعضوب عليه [الشيخ إمام].. أما المغنون التافهون، والمنحلون، والمنافقون، فمرحّب بهم في العالم بأسره، وكم من مغنية تظهر جغرافيةَ جسدها أكثر من فنها، لأنها لا فن لها أصلا..
بالعودة إلى المغني [ألفا بلوندي]، يجب الاعتراف له بأنه أعاد موسيقى [الريغي] إلى موطنها الإفريقي، وتفوّق فيها حتى فاق [جيمي كليف] صاحب أغنية [ريغي نايت]، والذي أقام حفلا في المغرب منذ سنين كلف [80 مليون سنتيم] آنذاك.. ومعلوم أنه أصبح لكل دولة [ريغي] خاص بها؛ ولا أدل على ذلك الفرقة الموسيقية البريطانية [UB - 40] أي [يوبي فورتين]؛ بل حتى فرنسا مثلا صار لها [ريغي] فرنسي.. فمنذ [بوب مارلي] الجمايكي ومجموعته [الويْلَرَز]، اشتهر هذا النوع من الموسيقى، وانتشر انتشار البدعة غير المألوفة؛ فرحّبتْ به الطبقاتُ المستضعفة، وقد اشتهرت أغنية [بوب مارلي: [No Yomen. In The Cray]؛ وبعد رحيله برز ابنه [زيغي مارلي] لكنه فشل؛ وسطع نجم [جيمي كليف]، لكن [ألفا بلوندي] كبر بسرعة مذهلة، وانتشرت أغانيه بسرعة، لأنها تلامس هموم الشعوب الإفريقية، وليست مثل الأغاني الغربية التجارية في عمومها..
فأغانيه لها طعم خاص، ولها تأثير على المستمع، وليست مبتذلة أو مملة؛ فهو يمجّد رسول الله والسيد المسيح، ويتوخّى تقاربَ الأديان، ويمقت العنصرية، والإرهاب، والاستعمار، حيث يقول في إحدى أغانيه: [لا تطلقْ الرصاص على سيارة الإسعاف، ودُور العبادة] ومن يقوم بذلك كما نعلم هم الإرهابيون، وإسرائيل، وداعش.. وفي أغنية أخرى رائعة أستمع إليها وأنا أكتب هذه المقالة المتواضعة، يقول: [من يحكم بالسلاح؛ بالسلاح يَهْلك]، وهي في الأصل عبارة إنجيلية، لكن هنا استُبدِل السيف بالسلاح دون الإخلال بالمعنى.. وفي أغنية بعنوان [الديموقراطية] يقول بلحن جميل، وأداء رائع: [الديموقراطية، والصحفي مسجون، وla Plume ترزح بين المطرقة وl'enclume] أي السندان.. وفي أغنية يردد: [من أجل نعم أو لا؛ يهرول باحثا عن بندقية كلاشينكوڤ].. ثم أغنية [السلام عليكم؛ je t'aime Jérusalèm].. ويتحدث عن العمليات العسكرية فيسمّي إحداها ساخرا: [opération coup de poing].. ثم يخاطب النساء الإفريقيات قائلا: [à toutes les femmes; gardez la flamme] يعني حافظنَ على المشعل.. وفي خطاب تجاه المجرم يصدح: [dans les journaux, t'es beau أنطيربول تريد ta Peau].. وعلى إيقاع أغنية [سويت سويت، فانطا ديالو؛ هو هو؛ فانطا ديالو] أنهي هذا الموجز، وسهرة رائعة، وممتعة، ومفيدة، لمن سيختارون حضور حصة [ألفا بلوندي] المغني الملتزم…


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق