(موازين) ناجح من الناحية الأمنية لكنه ضعيف من نَواحٍ أخرى

(موازين) ناجح من الناحية الأمنية لكنه ضعيف من نَواحٍ أخرى

2017-05-22 12:17:07

قُدِّر لي أن أزور مدينة الرباط بعد سنين طويلة، وكان ذلك يوم الأربعاء 10 ماي 2017، حيث كانت المدينة تستعد على قدم وساق لتنظيم مهرجان [موازين] للموسيقى العالمية.. أما ما لفت انتباهي هو صور ثلاثة مغنّين عالميين أما الباقون فلا أعرفهم، ولا أهتم بهم أصلا، وخاصة العربان منهم، الباحثين عن [الكاشيهات] السمينة، فيما لهم أغنية واحدة، يرددونها، وموسيقى متشابهة ليس لها طابع يميز صاحبها عن غيره أو يعرّف به كما كان شأن الفنانين الكبار ذات يوم من عجم وعرب.. يمكنك أن تُسمِعَني عبر الأسطوانات أو الأشرطة أغنيةً، وعند بداية موسيقى الأغنية يمكن أن تسألني عن اسم المغني، فأجيبك دون خطإ بأنه [إيرك كلابطون؛ أو باري وايت؛ أو كيني روجرز؛ أو فيل كولينز؛ أو فرقة بينك فلايد؛ أو رولين سطونس؛ أو جنيسيس أو…] وقِسْ على ذلك، والملاحظة تنسحب أيضا على مغنّين عرب، وإن كانت صلتي بالموسيقى العربية ضعيفة قياسا بالموسقى الغربية..
الشيء نفسُه بالنسبة للأغنية الفرنسية؛ فمن المستبعد أن أخطئ في اسم المغني بمجرد بداية موسيقى الأغنية؛ فسوف أجيبك في التو بأنه المغنّي [جيلبيربيكو؛ أو ميشال ديلبيش؛ أو جوليان كليرك؛ أو سيرج غينسبور؛ أو جّو داسان؛ أو شيلا؛ أو ميراي ماتيو؛ أو بيير باشلي؛ أو ليوفيرّى أو..] وهلمّ جرا؛ فكل واحد له موسيقى تميزه، وأسلوب ينفرد به، وصوت يعرّف به، وهو ما انعدم كلّية اليوم، بالإضافة إلى كون هؤلاء المغنين اجتهدوا، وكافحوا سنينا طويلة حتى وصلوا واشتهروا؛ أما اليوم، فالمغني يبدأ يوم الإثنين، ويشتهر يوم السبت، وينظم [رسيطالا] يوم الأحد؛ فتعقد معه قناة لقاءً يوم الثلاثاء، وتتصدّر صورتُه جريدة يوم الأربعاء؛ فيما هو أو هي منافق أو منافقة، ولا علاقة لأحدهما بعالم الفن أصلا؛ فلو مارس مهنة أخرى لكان أحسن له، وأفضل لجمهور مكذوب عليه، ينفعل بالكذب لصولة الإعلام، وتأثيره على العقول، بدليل صورتَيْ [شارل أزنافور، ورود ستيوارت] المعلّقتين في الشارع وبالألوان، وهما صورتان قديمتان لمغنّيَيْن لبسا الهرم، وبلغا من العمر عُتيا.. "فأزنافور" هو من أواخر الخمسينيات قبل التلفزة بالألوان، يوم كان يتعامل مع موسيقي يُدعى [بول موريه] الذي كان وراء شهرته ونجاحه؛ و[أزنافور] ليس فرنسيا، بل هو أرميني الأصل، ومغني [موزيك هول] أي الخشبة، وليس المنصة؛ فهو معتاد على [الأولامبيا] في باريس؛ لذلك لن يغني في المنصة بل على خشبة مسرح محمد الخامس، فيأتي الأثرياء بفساتينهم الفخمة، ونساؤهم بفساتين [سواريه]، يعني الجميع [Tiré à quatre épingle] كما يقال بالفرنسية؛ فيغني لهم [أزنافور] بعض أغانيه التراثية مثل [la bohème؛ أو pour faire une jam؛ أو ma mie أو Il faut savoir] التي يقول فيها: [يجب أن تعرف، وأن تبتسم عندما ينسحب الأحسن، ويحل مكانه الأسوأ.] وهو ما ينطبق عليه اليوم، ولا أظنه يغنيها لهم أصلا.. ويقال لنا: [المغني الفرنسي الشهير]؛ نعم؛ كان شهيرا في سنوات الستين والسبعين؛ فما بقي كذلك سنة 2017؛ فهو يُستضاف في القنوات الفرنسية ليحكي عن أيام زمان؛ لا ليغني وقد صدق في حقه قول الشاعر العربي: يا ليت الشباب يعود يوما * لأخبرتُه بما صنع المشيب.. وهو ما ينطبق كذلك على نجم عملاق ذهب نوره اسمه [رود ستيوارت].
المغني [رود ستيوارت] هو نجم من إيسكوتلاندة؛ قال عنه المغني الفرنسي في السبعينيات [ميشال شوڤاليي]: [عندما يكون (رود) في المنصة، كأن لك (5 James Brown)].. فموسيقى [رود ستيوارت] تتطلب مجهودا صوتيا وجسديا، وبين الأغنية والأغنية الموالية لا يتوقف إلا عشر ثوانٍ فقط يمازح فيها جمهورَه الملتهب، والكاميرامان، ومهندسي الصوت، وخبراء الإنارة كلهم فنانون، مثلهم مثل الموسيقيين؛ فأصحاب الكاميرات يعرفون مسْبقا قبل ثلاث أو أربع ثوانٍ ما سيفعله المغني من حركة أو إشارة، فتُلتقَط بدقة وروعة، كما أن الكاميرا تجدها ترقص على إيقاع الأغنية.. وفي بعض المقاطع يصمت [رود ستيوارت] ليستمع لجمهور يردّد المقطع، وبعد ذلك تدخل الموسيقى، ويُكْمل [رود] الأغنية؛ اِسمعْ أو شاهدْ أغنيتَه الشهيرة [باشن Passion]، وعندما تستمع للأغنية وللموسيقى، لا تحسبهما آتيتين من المنصة، بل تجدهما جنبك، وخلفك، وأمامك فتغْشاك الموسيقى، وتسمع كافة الآلات، وكأن [الريسيطال] يخصّك أنت وحدك، بفضل الأجهزة، وإبداع التقنيين؛ فهل هذا ما ستراه يوم [ريسيطال] (رود ستيوارت)؟ هل لنا تقنيون ومهندسون يخلقون حولك هذا الفضاء؟ هل صاحب كاميرا [للاّ العروسة] أو [رشيد شو] أو ناقل درس وعظ وإرشاد يمكنه أن يبلغ هذا المستوى في نقل [الريسيطال]؟ وفي منتصف الحصة، يذهب [رود] لتغيير ملابسه بسبب العرق الذي تصبب منه؛ وعندما يكون عائدا إلى المنصة، تكون الموسيقى قد بدأت قبْلاً؛ وعندما يغادر الحفلَ بعد كلمات للجمهور ممزوجة بالموسيقى، تبقى الموسيقى مشتغلة بعده لخمس دقائق تقريبا.. كانت مجلة أسبوعية فنية [Salut les copains]، كانت عبْر كاريكاتورها تصوّر [رود ستيوارت] وكأنه ابتلع (الميكرو) لقوة موسيقاه، وروعة صوته، ومرونة حركاته الجسدية؛ والسؤال الآن هو: هل ما زال (رود) يتصبب عرقا؟ هل ما زال قويا في صوته؟ هل ما زال مرنا في جسده؟ هل سيكون مخلصا في أدائه كما كان أيام مجده، وزمن روعته، وقد وهن جسمه، وتخشّبت عضلاتُه، وخفت صوتُه، وأصبح يمثل تراثا في مقبرة الفن؛ ثم من يعرفه من أجيال اليوم، ومن سيشاركه أغانيه، ويرقص على إيقاعاتها؟ سوف نرى وأتمنى أن أكون مخطئا؛ فالمهرجان ناجح من الناحية الأمنية؛ لكنه فاشل من حيث الصوت، والصورة، والإخراج؛ لماذا؟


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق