تعلُّم الفرنسية يجب أن يكون اختياريا لا إجباريا

تعلُّم الفرنسية يجب أن يكون اختياريا لا إجباريا

2017-08-02 12:02:36

صحيح؛ فَرْنَسُوني، وعَرْنَسُوني، و[كَرْفَسوني]، فغرّبوني، وفي متاهات الضياع صرتُ [Vagabonda وErrabunda]؛ فما اكتسبت علوما أو تكنولوجيا، وصوّروا لي [Traître] في ثوب [Prêtre]؛ فكان للفرنسيين ما أرادوا، وبقي لي [Avoir وÊtre]؛ والتنكر لأصلي، وفصلي، ولأخلاق [Les ancêtres]، حسبي الله! علّموني فرنسيةً، حتى إذا ضاق صدري، وترسّبتِ الهموم في نفسي، واحترتُ في أمري، وتصاعد اليأس، ومعه البؤس، وأوجعني رأسي، استعطفتُ ربّي بالفرنسية، وقلت: [Dieu merci]؛ وإذا انفعلتُ، وضعُفتْ في معاني وجودي، وسوّد الدّيْنُ خدودي، ووهن عظمي، ورشي عودي، خفّفتُ من مآسي وجودي، بفلسفة الفرنسي الوجودي، إذِ العدم ينخر الذات كما ينخر الدود العود..
تعلمتُ رغما عني الفرنسية، وقد خُيِّل لي أني بها تعملقْت، فإذا بي تقزّمْت، وفي أحوالي تأزّمْت، وبقواعدها ونحوها وصرْفها التزمْت، ثم صرتُ [لمسيُو] مرشدًا وكلما ضَلّ طريقَه في بلدي، قلتُ له: [استمرّْ على طول ثم Tournez à gauche]: اُنظر مقررات الإعدادي [فرنسية].. لقّنوني إيّاها، وكنتُ بها شغوفا، وعلى إتقانها ملهوفا، وعندما وقعتُ في غرام زوجتي، لم أكن أهمس لها: [كنبغيك، ونموت عليك]، بل كنت أعزف لها: [ألْهوا Je suis fou de toi] ورغم هزالة [المونة]، فإنها تأثرت بالفرنسية [في تعواج القمّونة]؛ وبذلك كنتُ عشيقا رشيقا، ورجلا [متحضّرا]، وفي فرنسيتي [طاووسا متبخترا]، رغم أن وضعي كان متوتّرا، وسيْري كان متعثّرا.. كنتُ حريصا على قواعد اللغة الفرنسية، لكن لا بأس إن كسرتُ ضلوع العربية.. كان الخطأ في الفرنسية ممنوعا، لكنه في العربية كان مشروعا..
علموني الفرنسية فماذا تعلّمتُ بها؟ علومًا؟ تقدّمتُ وقدّمت؟ أبدا لم يحدث، ماعدا ترديد أغنية [جوني هاليداي]: [Noir, c'est noir؛ ليس هناك أي epoir] وكلما طلبتُ قهوةً في مقهى، قلتُ للنادل: [café noir] لئلاّ يحس أني قادم من الدوار؛ وهكذا، ظللتُ أُفرنِس، وأُعرنِس، وللغة القرآن [أكرفس]، والعيب كل العيب أن ترتكب في الفرنسية غلطا نحويا، وإن فعلتَ، عليك أن تعتذر شخصيا؛ لكن لا جناح عليك إن عرّبتَ، ولنحو العربية خرّبتَ؛ [فدينُنا خرافة، وتراثنا فولكلور، ولغتنا لهجة]، هكذا كان الهجوم المضاد، على لغة الضاد؛ هكذا كان انتقاد لغة [دي ساد] للغة القرآن والأجداد.. هكذا كان هجوم لغة الأوغاد على لغة الوطنيين الأفذاذ..
وظهرت مرة أخرى أزمة الهوية قوية، وصارت مهزلة [الفرانكوفونية] مدوية، وبدأنا نبحث لها عن أدوية؛ لكنّ المدافعين عن الفرنسية، إن كانوا قد تعلّموها، فإنهم استغلّوها؛ وإن كانوا قد نشروها؛ فإنهم استثمروها، وعلى عبيدهم سنّوها، فنشأت علاقةُ [مسيو DUBOIS] مع [MIRO]، وتراها بادية في الوزارة، والڤيلاّ، و[اَلْبيرو]؛ وتنفيذ الأوامر: [Viens ici]، بدلا من [تعالَ]؛ و[Rompez]، بدلا من [سيروا]؛ وكم من [هادوك] من يحفظ عن ظهر قلب [La Marseillaise]، نشيد حرب [روجي دوليل]، ويجهل نشيد [منبت الأحرار] الذي يصدح به المواطنون المغاربة الأبرار، وكم حقّق المفرنَسون من كذا [BUTS]، وبالجنسية الفرنسية كمظلة يتفادى [Les chutes] إذ جسدُه معنا بواسطة [السربيس]، وقلبُه، ومُهجتُه في [باريس]، أليست تلك هي أخلاق الخونة، وممارسات [إبليس]، وطبيعة المنافق الخسّيس؟
نعم، لقّنتُها كأستاذ لبني جلْدتي، رغم فراغ معدتي؛ والغريب أن [مسيو] علّمني إياها بأبهظ الأثمان، وتعاطيتُها كنوع من الإدمان، فأصبحتُ بها إنجازا من غرائب الزمان؛ فعاد [مسيو] بأموالنا إلى فرنسا وفي باريس بنى [دارو]، أما أنا فيكفيني الجلوس في المقهى وبيدي جريدة [الفيغارو]؛ صرتُ في منظومة التعليم مفعولاً به، وجوابي دوما هو [d'accord] يا بيه! ومطلبي لا يلبّيه؛ وكلما أضربتُ، ضربني، فقضيتُ حياتي بانتظار نهايات الشهور، والوضع محسور، ولا تحسين في الأوضاع أو في الأجور، وطال سواد الأيام، وجمود الأمور، والشيخوخة قادمة وبيدها ريشة لتغيير الديكور، وملاك الموت يراجع القوائم، وينقل الأمانات إلى خالق المعمور.. وهكذا؛ ألهَتْنا الأجور، حتى زرنا القبور؛ وكلما قلنا لهم [الرواتب محسورة]، أجابوا: [فناظرةٌ إلى ميسورة]؛ فقال قائل: [لماذا أنت زربان؛ فالبرلمان يكافح في هذا الميدان؛ وسنفرغ لكم أيها الثقلان]..
لكنْ ماذا حققتُ بالفرنسية؟ فالوزير جمع بها ثروة، وكثرت [فلوسو]. وأما أنا فجمعتُ [ثروةً] تتمثل في فلسفة [ڤولتير] و"أحلام" [روسو]؛ فهنيئا لك أيها الوزير؛ أعطيني داك [الراس انْبُوسو]! لكن أنا كذلك حققت بالفرنسية الكثير؛ كيف ذلك؟ صار تلامذتي البؤساء العاطلون، كلما وُجِدوا وراء القضبان، بدلا من أن يبصموا بالإبهام، يوقّعون على خيبتهم بالأقلام، وبالفرنسية كما نشاهد في الأفلام.. كوّنتُ سجناء مُفَرنسين، وزوّدتُهم بلغة [ميرسي مسيو، بانْجُور مدام]؛ وعند حصص [سين وجيم]، في الاستنطاق، يحصل الفهم والإفهام، وتوشّي [Oui وNon] حبل الكلام، وقد أديت المهام، ونلتُ صفرا بالكمال والتمام.. أما الذين صاروا خونةً للوطن، فقد لجؤوا إلى [باريس]، وبخيانتهم استُضيفوا في قنوات [الفرانسيس].. وهكذا، منحتْنا فرنسا لغة فرنسية فارغة، ومنحت الصهاينة الأسرار النووية، وأمدّتهم بطائرات [ميراج] لاغتصاب أرض الإسراء والمعراج.. واليوم؛ لم تَعُد الفرنسية، لا هي لغة علوم أو ديبلوماسية، ولا هي بلغة تجارة أو اقتصاد؛ فلماذا يفرضها على أطفالنا السيد الوزير [حصاد]؟ فتعلّمُ الفرنسية يجب أن يكون اختياريا لا إجباريا في بلد مستقل؛ بلد التاريخ، والأمجاد؛ أليس كذلك يا سيد [حصاد]؟ فماذا جنتْه من الفرنسية هذه البلاد؟ سؤال!


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق