المشهد السياسي ما بعد بنكيران

المشهد السياسي ما بعد بنكيران

2017-11-30 12:51:31

المتابع للعدالة و التنمية، وللتطورات الأخيرة يستشف أن الحزب دخل في منعطف مفصلي يفرض عليه الوضوح السياسي الذي يستوجب الاجتهاد في تطوير أطروحته السياسية بغية ضمان التحول نحو حزب مدني كغيره من الأحزاب الديمقراطية، بما يستوجب من تبني خطاب عقلاني متحرر من هواجس الهيمنة التي كانت تسكن الرعيل الأول المؤسس للجماعة.
و يمكن أن يكون المؤتمر القادم مؤتمر تقييم التجربة الحكومية والاستفادة من النقائص التي اعترضت التجربة  الأولى والتي طبعها نزوع نحو التصادم واستعمال لغة المزايدة عوض لغة المقارعة ورفع الصوت عوض الخطاب الهادئ.
لقد جسدت مرحلة بنكيران صدمة للحزب الذي لم يكن مهيئا لها؛ سياسيا و مشاريعيا، لهذا طغى على المرحلة"  الفقر الفكري"  ومواجهات حادة تم التعتم عليها عبر تصديرها للخارج، مكنته من إلغاء المخيال الشعبي. عبر لعب دور المفعول به سياسيا ومهاجمة من سبقوه، هذا المنحى و أن مكن بنكيران من الفوز في الانتخابات بالنظر لضعف المعارضة و عدم مصداقية قيادتها لكنه لم يمكنه من إدارة التحالفات بواقعية، إذ أبقى على نفس اسلوب المزايدة.
بعض وسائل الإعلام  جعلت من بنكيران ”ظاهرة  سياسية" و اظهرته كقوة مما ولد لديه تضخم الذات ، معتبرا نفسه حاجة وطنية لا غنى عليه ، و اتجه إلى إدارة مفاوضات تشكيل الحكومة بأسلوب ادعان و رفع الصوت، الأمر الذي خلف تغذية النعرات السياسية بين مختلف الأحزاب فيما بينها، محاولا تطبيق منهج فرق تسد على الحكومة، هذا المسار أدى إلى انحباس سياسي لمدة تزيد عن نصف سنة، رهنت البلاد و العباد و لم ينتهي إلا بعزله و تعيين سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة.
العثماني و ان نجح في تشكيل الحكومة ،فإنه وجد نفسه محاصرا  بين رغبة بنكيران ما اعتبره خصومه "إهانة العزل" ،و بين مستلزمات الانخراط الحكومي، هذا جعل حكومته تعرف تخبطا و  ارتباكا حقيقيا في التعاطي مع الأزمات، و بدأ ذلك واضحا في  في التعاطي مع أحداث الحسيمة. لهذا فإن الحزب الفائز مدعو خلال مؤتمره القادم إن يكون مؤتمر الوضوح و ما يفرضه ذلك من ضرورة الفصل بين المجال الدعوي و السياسي، و ضرورة ممارسة نقد ذاتي يقوم على تقييم التجربة الحكومية . و الإجابة على الأسئلة الحارقة، و التحديات الوطنية التي تفترض حكومة فاعلة و برلمان قوي، يقوم بينهم تعاون لاستكمال المخطط التشريعي الذي يبقى لا مناص منه لاستكمال البناء المؤسساتي.
إن الإجابة عن هذه التحديات تقوم برجال دولة و قيادة واعية و مسؤولة عبر الوضوح السياسي و بمسؤولية الخطاب.
إن التكتل  الداعم للتمديد لبنكيران، و الذي يحاول إظهار انسياقه الأعمى وراء الرجل و الدفع به إلى ذراع الحكومة و مواجهة المؤسسات هو ما خلق حالة توجس لدى أتباعه، و شيطنة المناوئين سواء الداخليين أو الخارجيين.
لكن فئة المؤيدين للتمديد ليست فئة منسجمة بل هي متعددة و انشغالاتها مختلفة.
الفئة الأولى:  بالفعل قلقة و منشغلة   بتحقيق مشروع الجماعة الأم في تحقيق "التمكين" مهووسة بالمحافظة على الامتياز الانتخابي، تسكنها  الرغبة في السيطرة، هذا الهوس يجعلها لا تتفهم التكتيكات السياسية القائمة على ضرورة التحلي بالواقعية المرحلية التي يفرضها التدافع السياسي.  
الفئة ثانية:  لها تطلع في اتجاه ضمان تموقع تنظيمي و  احساس بالغبن لعدم تحقيق طموحاتها الشخصية خلال حكومة بنكيران، لاسيما و أنها ترى فئة أقل منها قدرة و عطاءا استفادت من مكاسب عبر التواجد في الحكومة أو التعيين في مناصب سامية.
الفئة الثالثة أو من تسمي نفسها بيساريو بنكيران مجموعة لها بعد انتهازي،   فشلت في احزابها للوصول لغاية الحكومي ، و فئة أخرى أحادية الفكر تظن ان الديمقراطية تكون بأضدادها.
وفئة رابعة : متمثلة في  باقي  القيادات الشعبوية التي شرعنت وصولها إلى زعامات الأحزاب المعارضة لحكومة ابن كيران بقدرتها على مجابهة الطاقة الشعبوية الهائلة لرئيس الحكومة المعفي ، وهي فئة كانت تتمنى في سريرتها  استمرار عبد الاله ابن كيران أمينا عاما للحزب الحاكم لتقتات من استفزازاته و مزيادته؛ حاولت لعب  أدوراً ولو ثانوية تشرعن تحت مسمى الفاعلية؛  الاستيلاءها على قيادات الأحزاب وتعطيل اشتغالها وتنفير مناضليها واقصاء كفاءاتها،  من أجل تثبيت أبناءها و العمل على اتباع أجندة التوريث الحزبي للأبناء والأقرباء والأصهار وتجار التمصلح والاسترزاق من الباحثين عن الحماية السياسية.
 الحكومة الحالية جعلت العديد من القيادات تشن هجوما على التحالف الحكومي بدعوى خضوع العثماني للأغلبية الحكومية، رغم ما  تعلمه، هذه القيادات قبل غيرها من مرحلة حرجة، بسبب الإكراهات الدولية و الإقليمية و التي تستدعي حكومة قوية و فاعلة و أسلوبها هذا قوى الاستقطاب داخل الأغلبية الأمر الذي يذكي الخلافات و يجعلها قابلة في أي وقت للانفجار من الداخل، و هو اتجاه لا يخلو من خطورة في إدخال البلاد في انحباس سياسي، في وقت من المفترض فيه أن تدخل في مسار  تنموي ينهض بالاقتصاد الوطني .


صاحب المقال : لزرق رشيد
إظافة تعليق