إلياس العماري الغائب عن كتاب "تحولات الجماعات الإسلامية" (3/3)

إلياس العماري الغائب عن كتاب "تحولات الجماعات الإسلامية" (3/3)

2018-02-23 13:11:43

كتاب إلياس العماري موسوم بتحولات الجماعات الإسلامية. اختار التنظيم العالمي للإخوان المسلمين حالة لـ"الدراسة". الجماعة المصرية هي الأصل. وبالتالي فإن الكاتب يوجد أمام جماعة عمرها تسعون سنة. عاشت تقلبات وتحولات. خبرت التحالفات يمينا ويسارا. أيدت الثورة الناصرية وانقلبت عليها. أتقنت المناورات حد التناقض. سجون ومنافي وبقيت على قيد الحياة إلى أن وصلت إلى رئاسة جمهورية مصر العربية. لا يهم كيف جاءت ولماذا ذهبت. ولكن أردنا القول إن الجماعة ليست سهلة المنال ومسارها ليس متاحا لأي كان كي يمسك به. جماعة بأوجه متعددة. فهي التي تقر ضمن أدبياتها كتاب "جاهلية القرن العشرين" وغيرها من الكتب التي تقوم بتجهيل الغرب عموما، لا تتوانى في التحالف مع بريطانيا، على الأقل تعرت في لحظتين. المرة الأولى سنة 1954 حيث ضبط الأمن المصري وثائق بريطانية مع الموقوفين. وسنة 1982 منحتهم إذاعة من لندن عندما دخلوا في صراع مع الدولة السورية بحماة.
الحديث عن التحولات التي عرفها التنظيم الدولي يعني الإمساك بمفاصيل الجماعة وتطورها ولا يمكن أن تتكون الخبرة هنا من قراءة ما هو مكتوب. لأن السؤال المطروح على إلياس العماري هو أين تقف جماعة الإخوان المسلمون اليوم؟ ما هي خميرتها النظرية اليوم والتي هي غير معلنة؟ فيم تفكر الجماعة حاليا؟ أي منعطف ستدخله بعد التحولات التي عرفتها دول "الربيع العربي"؟ أين يوجد مركز الثقل الإخواني اليوم؟
كنا ننتظر من صاحب الكتاب، خصوصا وأنه اعتمد خلال كتابته على استشارات متعددة داخليا وخارجيا، أن يمنحنا العنوان الذي تتجه إليه الجماعة من خلال الجواب على الأسئلة المطروحة. لا يمكن الحديث عن التحولات دون المعرفة الدقيقة بتصورات الجماعة اليوم. هذه التصورات توجد عند قادة الإخوان. لا يمكن التعويل على الكتابات والتصريحات بالنظر لمنهج الجماعة في وجود خطابات متعددة. إذن الحديث عن التحولات هنا هو من قبيل المسامحة اللغوية ولكن مفهوميا لا نعثر على شيء يفيد في معرفة الجماعة والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، بل نقف على تصورات تفسد نقد الحركة الإسلامية.
وقفنا سابقا على بساطة ما قدمه الكتاب حول الحركة الإسلامية المغربية، المحسوبة على الإخوان المسلمين. وتبين أن هناك اتهاما بلا دليل. وقدمنا عديدا من المؤشرات لا من باب التأكيد على الانتماء التنظيمي ولكن من باب وجود "روح الجماعة" التي تخترق العديد من المكونات الإسلامية. هذه الروح لا يمكن الإمساك بها من خلال القراءات والمكتوب ولكن من خلال الرصد والخبرة. أي أن هذه التنظيمات، ليست كما يريد العماري، ليست تابعة لتنظيم موحد ولكن هناك ما يجعلها تسير بنفس النهج في طريق شبيه بلعبة الاستخبارات وتأثيرها على الدول. لهذا انخرطت في الصفقات المرتبطة بالربيع العربي كل حسب شروط وجودها.
الخطاب الإخواني ملتبس جدا ولهذا لم يتمكن الكاتب من الحوم حول حقائقه. بل أورد الكثير من القضايا التي كانت ضارة بكاتب، هو نفسه رجل سياسة له مواقف من الإخوان المسلمين، من قبيل موقفه من رجب طيب أردوغان، زعيم العدالة والتنمية التركي ورئيس الدولة، الذي اعتبره نموذجا لما بعد الإسلام السياسي موافقا لما نقله عن هبة رؤوف عزت. هذا التأطير لرجل اسمه أردوغان فيه نوع من الاستسهال إذ أن أردوغان لعب أدوارا كبيرة في الحرب الأفغانية رفقة "المجاهدين" الأفغان. كما أنه من الشخصيات الموصى بها أمريكيا منذ كان رئيسا لبلدية اسطنبول وعضوا في حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان، قبل التمكين له من خلال تأسيس حزب سياسي والفوز بانتخابات 2002.
يتحدث الكاتب عن علاقة الجماعات الإسلامية بأمريكا بالإطلاق وكأنها علاقة مبدئية وليست وظيفية. مكتفيا بذكر ما ورد في تقارير أمريكية مسربة كانت تتحدث عن التعاون مع الإسلاميين. لكن العماري لم يوضح في كتابه هل تم المخطط أم لا؟ ما طبيعة الصفقات التي تم عقدها وأين جرى الصفق؟ وهل المسار الذي اتخذته الأحداث في الشرق الأوسط تتطلب استمرار توظيف جماعات الإخوان المسلمين؟ ألم تمثل الجماعات الأخرى المسلحة بديلا أمريكيا في الوقت الحالي؟ أسئلة لم تدر في خلد الكاتب ولا من استشارهم في ذلك، لهذا جاء الكتاب مليئا بالإنشاء المنقول من كتابات الآخرين.
المفروض في كتاب يتناول تحولات الحركات الإسلامية أن يكون واحدا من ثلاثة. إما كتاب يتناول ما هو موجود من كتابات حولها لينتقدها ويؤسس معرفة جديدة بها من خلال تفكيك الخطاب المكتوب. وإما كتابا ينبني على معلومات دقيقة وخاصة لم يعرفها أحد من قبل أي حصرية للكاتب ويستخلص من خلالها نتائج جديدة. وإما كتاب يجمع بين المنهجين. وهذا ما لم يوفره لنا إلياس العماري في كتابه، الذي فيه كثيرا من الدعاية، حيث قال الكاتب إنه استفاد كثيرا من لقاءاته مع العديد من الشخصيات كمحمد أركون والطيب التيزيني، رغم أنهما ليست لهما اهتمامات بالموضوع، لأن انشغالاتهما منصبة على الفكر الإسلامي.
وإمعانا في استبلاد القارئ أورد الكاتب في نهاية الكتاب ملاحق، عبارة عن وثائق موجودة في كل مكان بما في ذلك الشبكة العنكبوتية، والمفروض أن تكون الملاحق شيئا غير منشور. وثائق تفيد القارئ أولا في فهم الموضوع وفك شيفراته وتفيد الباحثين، الذين لم يطلعوا عليها من قبل ويمكن أن يؤسسوا عليها أبحاثهم، ويمكن نشر حوارات شارحة للموضوع أو لقاءات مع شخصيات معنية بالملف. ملاحق كتاب "تحولات الجماعات الإسلامية" كلها متوفرة بنقرة واحدة. إذن هي تقليد لباقي الكتب.
التساهل في البحث والتدقيق أورد الكاتب موارد الهلاك من حيث يدري أو لا يدري أو من حيث ما تسرب إليه من استشارات من عول عليهم في مساعدته على البحث. يقول في الصفحة 113 "لا يمكن التعاطي مع التطورات والمستجدات السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية المعاصرة بعقلية ماضوية مثلما نعاين ما تقوم مجموعة من الجماعات السلفية التي تتفاعل مع الوقائع المعاصرة بعقلية تفاعل ابن تيمية في زمن المغول والتتار، دون الأخذ بعين الاعتبار السياقات التاريخية".
هذا سقوط خطير في مطب تبييض ابن تيمية، وتابع في ذلك عبد الصمد بلكبير، الذي قال في تقريظه لكتاب ابن تيمية لموسى حسن إن الحركات السلفية اختطفت ابن تيمية. يعني أن بن تيمية مفكرا إسلاميا تفاعل مع زمنه، الذي هو زمن المغول والتتار. سقط إلياس العماري في عملية غسل خطيرة لابن تيمية. هل يستطيع الكاتب أن يخفي أن المسمى "شيخ الإسلام" يعتبر أكبر موسوعة تكفيرية في التاريخ الإسلامي؟ وقصة اختطافه أطلقها بلكبير إرضاء للوهابية التي تحالف معها رغم مزاعمه القومجية. عملية تبييض بن تيمية ليست جديدة فقد شارك فيها طه جابر العلواني في كتابه حول إسلامية المعرفية جلبا للمال الوهابي وراشد الغنوشي بكتابه القضاء والقدر عند بن تيمية كما شارك فيها مفكرون من قبيل محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن وأبو يعرب المرزوقي. لكن بن تيمية في العصر الذي عاشه كان هو الذي موجود الآن ويكفي أن علماء ومثقفي عصره انتقدوا أفكاره التكفيرية والمتطرفة.


صاحب المقال : عدار ادريس
إظافة تعليق