سفينة الأمّة وسفينة "تيتانيك" ما وجهُ الشبه؟

سفينة الأمّة وسفينة "تيتانيك" ما وجهُ الشبه؟

2018-10-28 08:24:57

قد يستغرب القارئ الكريم من العنوان، وقد يتسرّع، ومَن يدري، في الحكم على كاتب هذه السطور، لأن العنوان قد يكون مصدره خيالاً شاطحًا؛ كلاّ والله، بل مصدره خيالٌ عاقلٌ، إذِ الأمّة كائنةً ما كانت، تعتبَر سفينةً قد تعترض طريقَها أخطارٌ تتمثل في محيط هائج، مائج، وهو نفسه ما يعترض السفينةَ بالمعنى الصحيح، لا المعنى المجازي؛ وإذا كان للسفينة البحرية قائدٌ وطاقمٌ في قيادتها، فإنّ لسفينة الأمّة رئيسَ حكومة، ووزراءَ، وبرلمانًا، وقسْ على ذلك؛ وهؤلاء في السفينة البحرية، وهؤلاء في سفينة الأمّة، يُفترض فيهم الكفاءة، والقدرة، والخبرة في الإبحار، ومن هذه الاعتبارات، جاء هذا العنوانُ رغم غرابته لأول وهلة.. فسفينة أمّتنا [المغرب] تشْبه في كثير من الأوجه، سفينةَ [تيتانيك] العملاقة، التي غرقتْ في عرض المحيط الأطلسي بعد اصطدامها ليلا بجبل ثلجي، وراح ضحية ذلك مئات الأرواح؛ فما هي يا ترى أسباب غرق هذه السفينة حسب ما ذكره التاريخ؟

في سنة (1912) أعلنت شركةُ الملاحة البحرية البريطانية أنها أدخلتْ للخدمة سفينةً عملاقة قيل عنها إنها [insubmersible]، يعني أنها لا تغرق؛ هكذا قالت شركةُ [وايت سطار] المالكة لسفينة [تيتانيك]، التي كانت مفخرةَ البحرية البريطانية؛ هذه السفينة كانت مَعْلمةً، وآيةً في الجمال، والأناقة، والتجهيزات العصرية في زمانها: كانت تزن ما يفوق [46.328] طنّا؛ وطولها [259,9] مترًا؛ وقد كلّف بناؤُها ما يزيد عن (10 ملايين) جنيه إسترليني، وهو مبلغ ضخْم في ذلك الوقت.. وفي (أبريل 1912) استعدّت السفينةُ للقيام بأول رحلة لها عبر المحيط الأطلسي، وعلى متنها (2224) مسافرًا، لكنّ قوارب النجاة على متن السفينة كانت قادرة فقط على حمْل (1178) فردًا، وكان الكل متلهّفًا ليدخل التاريخَ عبْر أوّل رحلة لهذه السفينة المفْخرة في عصرها..

وبعد أيام من إبحارها منذ خروجها من ميناء [سوتهامبتون] البريطاني، تلقّت السفينةُ عدةَ تحذيرات عبر رسائل الراديو، تحذّرها من أن هناك جبالاً ثلجية تطفو وتختفي في البحر، لكنّ القائد [سميت] كان واثقًا من سفينته، ولم يسمعْ هذه التحذيرات، بل دفع بالسفينة إلى أقصى سرعتها وهي (22 عقدة بحرية).. كان الكل في القاعة السفلى، وكأنها فندقٌ من خمْس نجوم، وجلّهم أثرياء، ورجال أعمال، بفساتينهم الأنيقة، والنساء لابسات فساتين سواريه، والجوق يعزف سمفونيات مختارة، وكان الجوُّ كلّه حبّا، وغرامًا، ورقصا، وقبُلات، وآخرون يحتسون الخمور الغالية.. وفي (15 أبريل 1912) حوالي الساعة (11 و40 دقيقة) ليلا، برز فجأةً جبلٌ ثلجي شاهقٌ أمام أنف السفينة؛ أمر القائد [سميث] بإيقاف [التيتانيك] المندفعة بأقصى سرعة، ولكن كان الوقت قد فات، فاصطدمتِ السفينةُ بقوّة بالجبل الثلجي محْدثا تمزقًا بطول (90 مترًا) في مقدمة (تيتانيك) على جانبها الأيمن، وبدأتِ المياهُ تتدفّق إلى كل مرافقها.. سمعت سفينةُ [كاليفورنيا] نداءَ الاستغاثة، ولكنّها كانت تبعد عن موقع الكارثة بما يفوق عشرين ميلاً؛ ويقال إنها لم تتلقَّ رسالةَ الاستغاثة، ويقال إنّ النداء لم يصل؛ ويقال إنه كان مشوَّشًا؛ فتُرِكت [تيتانيك] تواجه قَدَرها المحتوم بمفردها.. وفي الساعة (2 و20 دقيقة) ليلا، عندما نفَذَ الهواءُ الداخلي، وحلّتْ مكانه كميةُ المياه (قانون أرشميد)؛ استقرّتِ السفينةُ التي لا تغرق في قاع المحيط إلى الأبد.. اُنظر (موسوعة الكوارث البحرية)؛ ص (239) لغة فرنسية.

فُتِح تحقيقٌ، كلهُ ركّز على هندسة بناء السفينة، ولكنّ المؤرّخين يُجْمعون على أنّ التحقيق ينبغي أن يركّز على القائد [سميث] الذي لم يُعِرِ التحذيرات أيّةَ أهمية؛ فهو المسؤول الوحيد على غرق [تيتانيك].. وفي هذه السنة، يعني [1912] كادت "سفينة" المغرب أن تغرق إلى الأبد بسبب الاستعمار الفرنسي؛ لكنّ جلالة الملك (محمد الخامس) قدّس الله روحَه، ومعه المجاهدون، والمغاربة الأحرار، أعادوا سفينةَ المغرب إلى السطح وأنقذوها من الغرق.. والآن، نرى أنّ سفينة المغرب منذ [2012] مهدّدة بالأخطار المحدقة، وقائد السفينة [العثماني] لا يعبأ بالتحذيرات، بل يسير بها نحو المجهول لضعْفه، وقلّة خبرته، وهو محاط بطاقم من وزراءَ فاشلين، لا خبرة لهم في قيادة سفينة الأمّة؛ فأمواج الاضطرابات في تزايد، ورياح المشاكل تشتد، والسفينة تترنّح، ولا أحد فطن لذلك.. كان الفيلسوف الإغريقي [أبيقور: 270 ــ 342 قبل الميلاد]، مسافرًا على متن سفينة في البحر الأبيض المتوسط، وفجأة، صارت تتقاذفها الأمواجُ، وتتلاعب بها الرياح، والركاب يصرخون، لأن السفينة كانت على وشك الغرق، فإذا بالفيلسوف [أبيقور] يلْحَظ خنزيرًا يلتهم العشبَ في زاوية من السفينة غيْر عابئ بالخطر المحدق بالجميع، فانفجر الفيلسوفُ ضاحكًا من موقف هذا الخنزير، وقال: [لكي لا يعبأ الإنسانُ بالأخطار، لابدّ أن تكون له لا مبالاة، وعدم اكتراث مثْل هذا].. فلإنقاذ سفينة أمّتنا لا يجب أن نكُون مثْل [هذا]..



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق