القطار المكّوكي رقم (09) أو قطار الموت

القطار المكّوكي رقم (09) أو قطار الموت

2018-10-30 08:24:45

قبل أن نحدّدَ المسؤولَ المباشر عن فاجعة قطار (بوقنادل)، يجب أوّلا أن نُطْلِعَ القارئ الكريم على بنية المكتب الوطني للسّكك الحديدية، ونبيّن له القطاعات التي يتشكل منها، ثم للقارئ رأيٌ بعد ذلك.. يتكون المكتبُ الوطني للسكك الحديدية [O.N.C.F] من أربعة أقسام رئيسية كبرى، وعلى رأس كل قسم، يوجد رئيسٌ، محاطٌ بطاقم، وعلى رأس كل هذه الأقسام يوجد المدير العام، وهو السيد (لخليع).. هذه الأقسام أربعة فما هي يا ترى؟ 1 [Le service administratif] وهو المشرف على كل الأمور الإدارية، من وثائق، وبطائق، ورخص، وشهادات طبّية، وطلبات، وقسْ على ذلك، وموظّفوه ينعمون بالعطلة الأسبوعية الإدارية، وكافّة العطل الوطنية، والدّينية، كسائر الإدارات في البلاد، مع التوقيت الإداري.. -2 [Service exploitation]، وهو الذي يشرف على النقل، من بضائع، وحيوانات، وسيّارات، وفُسْفاط، وسُكّر، وركّاب، وقِسْ على ذلك من قطارات خاصة أو قطارات الدعم زمن الذروة. -3 [Service voie]، قسمٌ يختصّ بإصلاح خطوط السكة، ومراقبتها أو استبدالها عند الحاجة، وبه عمّالٌ، ومهندسون، وله شاحنات، وآليات، وأدوات مختلفة لإنجاز أعماله في السكة.. -4 [Service matériel et traction] وهو المشرف على إصلاح، ومراقبة القاطرات، التي تشتغل بالمحروقات أو بالكهرباء، كما يراقب سلامةَ العربات الخاصّة بالركاب، والخاصّة بالبضائع أو نقْل السيارات، أو المحروقات، أو الفُسْفاط، إلى ما هنالك؛ وله ثلاثة مراكز تسمّى: [dépôts d'entretien] للصّيانة في كل من (وجدة، ومكناس)، وأكبرها يوجد في (الدار البيضاء)، وبه تقنيون، ومتخصِّصون، وعمّال..

فهذا القسم الأخير، هو المسؤول عن العطب الذي استفحل مع الأيام لغياب الفحص حتى وقعتِ الفاجعةُ في (بوقنادل)؛ فمثلا [Le chef de service] الذي أعطى انطلاقةَ القطار، ليس بمسؤول، وكذلك [le visiteur] الذي يفحص الزيتَ في [les bogies]، ليس هو المسؤول، لأنّ الخلل في [les éssieux] حيث توجد العجلات، لا يمكن أن يُلاحَظَ والقطارُ متوقّفٌ؛ بل الاهتزازاتُ، والقرقبات، لا يمْكن حتى للسّائق ومساعده أن يسمعاها، أو يُحسّا بها باستثناء الركاب؛ فهم يحسّون بالاهتزازات العنيفة عندما ترتفع سرعة القطار، وتسكن عند انخفاض السرعة، ولكنّ العجلةَ أو [l'éssieu] المصاب بأعطاب، ظل ولأيام طويلة يترنّح، ولا أحد اهتمّ به، لغياب الفحص التقني الصارم والدقيق من تحت العربة، وعلى ضوء مصباح؛ وهكذا ظلّ حالُ العربة الدّاعرة يزداد سوءًا وهي جزء من قطار مكّوكي؛ فعانت العربةُ، وازدادت خطورتُها، حتى وقع ما وقع للأسف الشديد، بسبب الإهمال والتقصير.. وللسّككيين شعارٌ خالدٌ يحترمونه، وهو: [لا تتركْ أيَّ شيء لما يسمّى (le hasard)]، يعني (الصدفة)؛ فهل احتُرِمَ هذا الشعارُ يا ترى؟ أشكّ في ذلك! السكة ثبتَ أنها سليمة، ولم يُعْثَرْ على أي أثر للتخريب؛ فأين كان يكمن الخلل إنْ لم يكنْ في عربة؟

فما هي مسؤولية السيد المدير؟ مسؤوليته تكمن، هو ورئيس (Matériel/ traction) في كونهما لم يقرّرا صيانةً وفحصًا كل شهر لكافة العربات.. فنحن محظوظون لكون الحادثة وقعتْ في أرض مستوية، فماذا كانت ستكُونُه الحصيلةُ لو أنّ القطارَ زاغ عن السكة في قنطرة، أو نفق، أو خَوْر شاهق، أو منعرج في جبل؟ ماذا كان سيحدث، لو سقط أحد ساريات أسلاك الكهرباء، وهي أسلاك تمرّ عبْرها طاقةٌ تفوق (3000 ڤُولط) لكنْ شكرًا لله على لطفه، له المجدُ إلى أبد الآبدين على فضله، وإحسانه.. والآن، يتحدّثون عن فتح تحقيق، وهو تحقيق مشكوك في مصداقيته، مع بقاء المدير في منصبه.. فسيتمّ اختيارُ أكباش الفداء، ليتحمّلوا المسؤوليةَ نيابةً عن الكبار الذين لا يُخطِئُون؛ وهكذا جرت العادةُ في بلادنا، حتى صارت سُنّةً مؤكَّدة.. لكنّ العدل والمنطق يقولان، إنّ المديرَ وصَحْبَه يجب إقالتهم أوّلاً، وبعد ذلك يقوم بالتحقيق لفيفٌ من مصنع [ألْستُوم] بفرنسا، ومنه نشتري كافة معدّاتنا؛ وهكذا سيكشف التحقيقُ عن العربة الدّاعرة، ويحدد المسؤوليات، ويوضَع التقريرُ بيْن يديْ ملك البلاد أعزّه الله..

هذه الفاجعةُ تجعلكَ تطرح أسئلةً حوْل دواخل وأحوال المكتب الوطني للسكك الحديدية.. هذه الفاجعةُ تعبّر عن أحوال مزرية، وعن سوء تدبير وتسيير، وعن ظروف الشغيلة السككية بشكل عام. والواقع أنّ [les cheminots] قد تحوّلوا بسبب أوضاعهم السيئة، والظروف التعيسة إلى [des chemineaux] للأسف الشديد.. فالسّككيُ المسكين، حظُّه وفيرٌ في [les demandes d'explication]، والشعب اليوم يُرْسلُ إلى المدير بطلب استفسار، ويطالبه بالاستقالة فورًا احترامًا لأرواح الضحايا، وقد ارتبطتْ صورتُه في الأذهان بهذه الفاجعة.. فالمكتبُ بحاجة إلى دماء تُضَخّ في شرايينه، باعتباره شريانًا حيويا، وقطاعًا منتجًا في البلاد؛ ولكنّ السيد (لخْليع) لن يستقيل؛ لماذا؟ لحلاوة الرّضاع، ومرارة الفطام.. فحتى لو مات آلاف المغاربة، فإنّ المسؤولَ لن يستقيل، بل يبقى سالـمًا، غانمًا، وتلكم مصيبة، بل سُنّة مؤكَّدة، في هذا البلد النبيل!

 



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق