حرب الخنادق القَذِرة وُصِفَت بالحرب العصرية

حرب الخنادق القَذِرة وُصِفَت بالحرب العصرية

2018-11-26 08:18:23

بدأتِ السِّجالاتُ الكلامية، والاتهامات، والتهديد والوعيد بين [النامسا] و[صربيا] بعد اغتيال الأرشيدوق، وريثِ عرش إمبراطور [هانغاريا ــ النامسا].. لقد طالبت [النامسا] بالسّماح لشرطتها التحقيق في اغتيال [فرانز فيردينان]، فردّت [صربيا] بأنها ليست مقاطعةً من أعمال [هانغاريا ــ النامسا]؛ وإنما هي دولة مستقلّة ذات سيادة، وأنها وحْدها لها الحقُّ في فتح التحقيق دون أيّ تدخُّل أجنبي في شؤونها الداخلية، ممّا جعل [النامسا] تهدّد بالتدخل العسكري في [صربيا]، وسارعتْ بحشد قوّاتها فورًا على الحدود، مما أثار غضب ألمانيا، وأعلنتْ مساندتَها العسكرية لجارتها [النامسا]، فردّتْ [روسيا] بمساندتها لدولة [صربيا]، واستنفرتْ قوّاتِها.. فـ[روسيا] و[صربيا] هما دولتان سلاڤيتان، أرثوذكسيتان، فيما [النمسا] و[ألمانيا]، هما دولتان جرمانيتان، بروتيستانيتان، وقد كانت [النامسا] ذات يوم تسمّى [النامسا] الألمانية.. ولكنْ ما دَخْل [فرنسا] وما مصلحتها في دخول هذا النزاع المفتعل وما هي لا سلاڤية، ولا جرمانية، بل هي من جنس آخر، وكاثوليكية ظاهريا، وتدين بالولاء عقائديا لـ(الفاتيكان)؛ فلماذا ستصبح أرضُها هي المسرح الأساسي في الحرب العالمية الأولى؟

لقد أعلنت [فرنسا] مساندتَها لدولتَيْ [روسيا] و[صربيا] ضدّ [ألمانيا] و[النامسا]، لماذا؟ [فرنسا] تعاني دومًا في [لا شعورها] من عقدة اسمُها [ألمانيا]؛ ونحن نعرف أنه أثناء كل حرب، تجتاح [ألمانيا] [فرنسا]، وتحتلُّها، وإلى حدود (1914) ما زالت [فرنسا] تتذكّر الإذلالَ الذي تعرّضتْ له في عقر دارها بعد هزيمتها النكراء سنة (1870)، واحتفل قيصر [ألمانيا] في (قصر المرايا) بـ(باريس) بتولّيه مُلْكَ [ألمانيا]، وأعني به [ويلهيلم الأوّل]، وهو ما جعل [فرنسا] تُرْغِم [ألمانيا] على توقيع استسلامها في نفس القصر، ثم في عربة القطار رقم (2019) وهي نفس العربة التي وقّعت فيها [فرنسا] استسلامها سنة (1940) أمام (هتلر).. وممّا أذكى شرارةَ الحرب، هو اغتيال المفكِّر الفرنسي الكبير، صديق العمّال [جان جوريس] المناهض للحرب، وقد حاول إقناعَ العمّال والجنود بأنّ هذه الحرب، هي حرب رأسمالية، لا مصلحة فيها للشعوب، فاغتيل فجأةً يوم (31 يوليوز 1914) في مقهى (كرواسُّون) القريبة من صحيفة (ليبراسيون)، وباغتياله، صمتَ آخرُ صوتٍ يدعو إلى السلام، ويناهض هذه الحربَ القذرة.. والغريب في الأمر، هو أنّ قاتِلَ [جان جوريس] بُرِّئَتْ ساحتُه، وأُطلِقَ سراحُه، واعتُبِر وطنيًا، كما اعتُبِر [جان جوريس] وطنيًا فذّا، وكان ذلك يوم (30 مارس 1919) ثم صدّقْ أو لا تصدِّق، ولكن اُنظرْ جريدة [الفيغارو] الفرنسية ليوم (30 مارس 1919) صفحة: [السياسة الداخلية].. قال [كليمونصو]: [الحرب هي أكبر من أن نُتْرك في أيدي مَن لا يعرفون الأهدافَ المتوخّاة منها]..

اشتدّتِ الحربُ بمعركة [المارن]، يعني في اليوم (39)، وقادها الجينرال [جوفر]، وشارك فيها كذلك الجيشُ البريطاني.. أمر ملكُ [بلجيكا]، وهو [ألبير الأول] بإغراق البلد بمياه نهر [إيزير] لإيقاف التقدم الألماني.. وتحدّثتِ الصحافة في [فرنسا] بنوع من الحماس عن الحرب العصرية، وما هي هذه الحرب العصرية؟ إنها (حرب الخنادق).. لكنْ في (22 أبريل 1915) استعملتْ [ألمانيا] سلاحًا جديدا وفتّاكًا وهو (الغازات السامة)، انضافت إليها جائحةٌ أخرى قاتلة تسمّى (إنفلوانزا الإسبانية) التي حصدتْ آلاف الأرواح.. بدأتْ [بريطانيا] تفكّر في اختراع غاز سامّ خاصّ بها للرد على الغازات الألمانية، فتمكّن عالمٌ كميائي من صنع غاز (السيمتال) القاتل، وهذا العالم هو [وايزمان] الذي سيكون أول رئيس لدولة [إسرائيل] سنة (1948)..

كانت [روسيا] خارجة من حرب منهكة مع [اليابان] منذ سنوات قليلة؛ فكان من السهل نسبيا خلقُ جوّ عام من الشك والقلق في نفوس العمّال الرّوس، وحتى بيْن جنود القوات المسلّحة في فترة (1914 ــ 1916)، وحتى (يناير 1917) كانت جيوش الإمبراطورية الروسية قد تكبّدتْ ما يقارب (3.000.000) إصابة وفقدتْ زهرةَ شبابها.. في (26 فبراير 1916) دارت معركة (فيردان) الرّهيبة، وتميّز فيها عسكريٌ اكتسب شهرةً كبيرة، وهو الجنيرال [بيتان] الذي لن تنتهي الحربُ إلاّ وهو [ماريشال فرنسا]؛ [بيتان] هذا، سيُنْهي حياتَه بخيانة عظمى، عندما سيصافح [هتلر] سنة (1940) ويقيم حكومةَ [ڤيشي] الموالية للنازيين، وقد حُكِمَ عليه بالإعدام، لكنّ الجنيرال [ديغول] حوّله إلى السجن المؤبّد.. في (08 يوليوز 1916) تكبّد الجيشُ البريطاني خسائر فادحة في الأرواح في معركة (الصُّوم)، حيث حصدتْ مدافعُ الألمان (4000) جندي في أقلّ من ربْع ساعة في أرض موحلة ومكشوفة.. وفي (20 شتنبر 1916) أدخلَ الإنجليزُ لأوّل مرة إلى ساحة المعركة ما سُمِّيَ وقتها (السياراتُ المصفّحة)، يعني الدبابات، لكنّها كانت بطيئة، وغيْر مرنة.. في يوم (24 يوليوز 1917) حُكِمَ على الفنانة [ماطاهاري] بالإعدام بتهمة التجسّس لألمانيا.. وفي (01 يوليوز 1917) وصل الجيشُ الأمريكي بقيادة الجنيرال [بيرشينغ] أخيرًا..



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق