الهدنة: يوم 11 من شهر 11 في الساعة 11

الهدنة: يوم 11 من شهر 11 في الساعة 11

2018-11-27 08:09:10

قبْل تاريخ الهدنة وإعلان نهاية الحرب العالمية الأولى، تسارعتْ أحداثٌ لا تخلو من مفاجآت، وتحقّقتْ أمورٌ من تلك التي كان ينتظرها مَن خطّطوا لهذه الحرب القَذِرة.. كانت [روسيا] في صفّ الحلفاء، وأعني [روسيا القيصرية]؛ لكنّ [لنين] كان عميلاً لدولة [ألمانيا]، ويؤكّد المؤرّخون وبالإجماع، أنه لولا أموال [ألمانيا] لـمَا تمكّن (البلاشفةُ) من الوصول إلى السلطة، وإعلان دولة شيوعية في [روسيا].. في (01 فبراير 1918)، جهّزتْ [ألمانيا] قطارًا خاصّا بالزعيم الشيوعي [لنين] حمله من [سويسرا] إلى [روسيا]، ومعه أموالٌ ألمانيةٌ لإسقاط حكومة [كيرانسكي] الديموقراطية، وإعدام [القيصر نيكولا (02)] وأسرته في بلدة [ياكتارينبورغ] حيث كان سجينًا؛ وفعلاً استطاع [لنين] بعمالته، وبأموال [ألمانيا] أن يحقّقَ كلّ ذلك في وقت وجيز؛ ولـمّا تكوّنتْ دولةٌ (شيوعيةٌ) في [روسيا] كان على [لنين] أن يردَّ لـ(ألمانيا) الدَّيْنَ، اعترافًا بجميلها.. وهنا تكمن خَيْبةُ [فرنسا]..

دَعْكَ سيّدي القارئ الفاضل من خطاب الرئيس [ماكرون] الذي يتراوح بين مشاعر [فلوبير] ورومانسية [ڤيكتور هوغو].. فرضتْ [ألمانيا] على [لنين] سلامًا بشروطها، وإلى بلدة [بريست ليتوڤسك]؛ أرسل [لنين] مبعوثَه الشخصي [تروتَسْكي] للتّوقيع دون مناقشة على اتفاقية السلام المذِلّ، وبموجب هذا السلام نالتْ [ألمانيا] ثلثَ الأراضي الروسية، وما تحمله من مواردَ وثروات، فوصفتْ [فرنسا] سلامَ [بريست ليتُوڤسْك] بالخيانة؛ وللتّذكير فقط، فهذه البلدةُ عُرفتْ بخيانة أخرى ستحْدث سنة (1939)، عندما اقتسم فيها [هتلر وستالين] كعْكةَ [بولونيا] وكان نهر (الڤيستولا) هو الفاصل.. [فرنسا] بدورها لا تفي بوعودها لأصدقائها، فكم حذّرتْ [هتلر] من اكتساح [تشيكوسلوفاكيا]، وفي معاهدة [ميونيخ] سلّمتْ هذا البلد لـ[هتلر] على طبق من ذهب سنة (1938)؛ ولـمّا عاد رئيسُ الحكومة الفرنسية إلى [باريس] استُقْبِل بحرارة من طرف الشعب، فقال رئيسُ الحكومة الفرنسية [دَلادْيي] لمن كان معه في السيارة المكشوفة، وأَحسَّ أنه لا يستحقّ شرفَ هذا الاستقبال الشعبي: [آه؛ لو كان هؤلاء البلهاء يعرفون الحقيقة!]..

[فرنسا] كانت تقع دومًا في ما أسماه (الإنجيلُ): [زِنا الأمم]، حيث دافع عنها رجالٌ ليسوا منها، ومنهم المغاربة الأشاوس الشّجعان؛ فلا تجد في الكتب المدرسية ولو إشارة إليهم، وبعد قرن، وبشكل فجائي تمامًا، برز المغاربةُ، واكتشفتْ [فرنسا] قبورهم ورفاتهم، ومن سخرية التاريخ، أنّ المغاربة دافعوا عن [فرنسا] ناكرة الجميل، وحاربوا من أجلها، وفي الأخير اضطُرُّوا لمحاربتها نظرًا لنزْعتها الاستعمارية، والعنصرية؛ لقد قامت بتعيين ملكٍ جديد للمغرب بعد الحرب العالمية الثانية، وهو [ابن عرفة]، ونفتِ الملكَ الحقيقي [محمد الخامس] طيّب الله ثراه، إلى [مدغشقر]، وتجاهلتْ صنيعَه وتضحياته.. [فرنسا] يشدّها الحنين للعهد الإمبراطوري، ولم تتخلّصْ من عقدة الاستعمار بعد؛ فماذا قدّمتْ للشعوب التي ضحّتْ من أجلها؟ لا شيء! فحتى السّر النووي أعطتْه لدولة [إسرائيل]، وأمدّتْها بطائرات [ميراج] لضرب العرب؛ و[إفريقيا] ما زالت بل تزداد تخلّفًا؛ فهؤلاء المهاجرون الذين ترفضهم، هم أحفادُ مَن ماتوا دفاعًا عن [فرنسا] خلال الحربيْن.. ولكن يا خيبة مَن يحبّ [فرنسا]، ويعتبرها صديقًا تاريخيًا، و[فرنسا] لها مصالح، ولا أصدقاءَ لها، والتاريخ يثبت هذه الحقيقة التي يتجاهلها الكثيرون، والماثلة دومًا تحت الأنوف..

قالوا إنّ الحربَ العالمية الأولى كانت من أجل الحرّية، والديموقراطية، وكافّة الإنسانية؛ قلْ كلاّ! كذبْتم.. فلم تُعْلَنِ الهدنةُ يوم 11، من شهر 11، في الساعة 11، إلاّ بعدما كانت كلُّ الأهداف قد تحقّقتْ، التي من أجلها اشتعلتِ الحربُ أساسًا، وهي: (1 قيامُ دولة ديكتاتورية بَلْشڤية في [روسيا]، وسقوط ملكيةٍ عريقة.. (2 استسلامُ [النّامسا] ونفيُ [شارل الأوّل] في (03 نونبر 1918).. (3 تفكيك إمبراطورية [هانغاريا ــ النّامسا] يوم (04 نونبر 1918).. (4 إعدام القيصر [نيكولا (02)] وجميع أفراد أسرته في (17 يوليوز 1918).. (5 نفيُ قيصر [ألمانيا] (غيوم الثاني) إلى (هولاندا)، وإعلان الجمهورية يوم (09 نونبر 1918).. (6 استسلام [ألمانيا] دون شروط يوم (12 نونبر 1918).. إطلاق سراح كلّ من اغتالوا دعاة السلام، واعتُبِر القتلةُ وطنيين؛ إعدامُ الرّاقصة [ماتا هاري] بسرعة بعد صدور الحكم يوم (24 يوليوز 1917) لأنها كانت تملك بعضَ أسرار هذه الحرب، وأسرار عدد من الجنيرالات، والسياسيين.. بعد تحقيق كل هذه الأهداف المخطط لها، أُعلِنتِ الهدنةُ يوم 11، من شهر 11، في الساعة 11، ودقّتْ أجراسُ الكنائس 11 دقّة، وهو ما جسّده مُخْرجُ احتفال (باريس) يوم (الأحد 11 نونبر 2018) تحت قوس النصر، بحضور أزيد من (70) رئيس دولة وحكومة، يتقدّمهم [هتلر] العصر، المدعو [دونالد ترامب] رئيسُ أمريكا..



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق