حربٌ اشتعلت لأسباب واهية وحملت في أحشائها أسبابَ حربٍ ثانية

حربٌ اشتعلت لأسباب واهية وحملت في أحشائها أسبابَ حربٍ ثانية

2018-11-28 08:23:55

لم يحدُث طيلة التاريخ، أنِ اشتعلتْ حربٌ بسبب اغتيالٍ سياسي، اللّهم إذا استثنينا الفتنة الكبرى، بعد اغتيال الخليفة الثالث [عثمان بن عفّان] رضي الله عنه.. ولكنْ هناك حربٌ نشبتْ بين بلدين جارين سنة (1970)، وهما [السالفادور] و[الهندوراس] بسبب مقابلة في كرة القدم خلال إقصائيات كأس العالم في [مكسيكو: 70].. فهذه الحرب خُطّط لها للتّخلص من الملكيات العريقة، وحلّتْ مكانها ديكتاتوريات دموية مثْل دولة البلاشڤة في [روسيا]، كما قامت دولٌ ديموقراطية سُمِّيت بدول الديموقراطية الاجتماعية، كما هو الشأن في [ألمانيا] بعد الهدنة، والقاسمُ المشترك بين الشيوعية والديموقراطية، هو القملُ، والجوع، والبرد القارس؛ فكان في [روسيا] الحزب الشيوعي بدعاياته الفارغة؛ وكان في [ألمانيا] ما يزيد عن (33) حزبا كذّابا تتناحر على المناصب، واستحال المارشال [هايْدَنْبورغ] ديكتاتورًا، حيث عند كل انتخاب كان ينجح، وترشّح ضدّه [هتلر] ثلاث مرّات، ولم يُفْلِح في إسقاطه ولو مرة، حتى أسقطه ملَكُ الموت.. ويقول أحد المؤرّخين إنّ الشيوعية والديموقراطية، هما كذْبتان، ضُحِكَ بهما على الشعوب الغافلة..

دَعْنا نعود إلى الحرب العالمية الأولى التي مهّدتْ للحرب العالمية الثانية.. هذه الحرب الأولى التي سمّاها المؤرّخون (الحرب القَذِرة)، وقد كانت فعلاً قَذِرة بكل المقاييس، وقد يستغرب القارئُ إذا قلتُ له إنّ الحرب العالمية الثانية، كانت أرحم من الحرب العالمية الأولى، بالرغم من الفارق بينهما في عدد الضحايا، حيث إن الحرب الأولى خلّفتْ (10 ملايين) قتيل، فيما الحرب الثانية فاقت (50 مليون) قتيل بسبب تطوّرِ الأسلحة، ومع ذلك تُعْتبر أرحم من الحرب الأولى؛ لماذا، قد يتساءلُ القارئُ الكريم؟ في الحرب الثانية كان الموت سهلاً، وإذا لم يَمُتِ الإنسانُ، كان يُنْقَلُ إلى مستشفيات ميدانية مجهّزة، أو تحمله طائراتٌ إلى بلده لمتابعة العلاجات؛ أمّا خلال الحرب العالمية الأولى، فكان الموتُ صعبًا، وإنْ كان مرغوبًا، لأنّه رحمة.. كان الألمُ شديدًا، والمستشفيات بدائية، حتى لإنّك كنتَ تجد الأطبّاء يقطعون القدمَ أو اليد بالمنشار كما يُقْطَع الخشبُ، لأنّ عملية التخدير لم تكن قد تطورتْ، بل كان تأثيرها ضعيفًا جدّا، ولم تكن قد وصلتْ بعدُ إلى ما وصلتْ إليه في الحرب الثانية.. أمّا (البِنسِلين) الذي اكتشفه (فليمِنْغ) سنة (1928)، فلم يُسْتَخدَم في العلاج إلا سنة (1944)، وقد استُخْدم في الحرب العالمية الثانية، وساهم في إنقاذ جرحى الحرب، لكنْ في الحرب العالمية الأولى لم يكن له وجود..

وخلال الحرب العالمية الأولى، كان الجريح الذي بُتِرتْ أعضاؤُه، يتوسّل إلى زملائه لإعفائه من الحياة ليرتاح من شدة الآلام، وانتشر استعمالُ الأيدي والأقدام الصناعية؛ وانتشر وباءٌ فتّاكٌ يسمّى [الإنفلوانزا الإسبانية]، وقد حصد آلاف الأرواح، وبه مات الكاتبُ الفرنسي الكبير [أبولينير] (APOLLINAIRE) الذي شارك في الحرب، وأُصيب في معركة [ڤيرْدان]، ولكنّه مات بداء [الإنفلوانزا الإسبانية] في [11 نونبر 1918] عن عمر ناهز (38) سنة؛ وقد ذكَره الرئيسُ الفرنسي (ماكرون) في خطابه يوم (11 نونبر 2018) في (باريس)، خلال تخليد الذكرى المئوية لهذه الحرب القَذِرة.. لقد قيل إنّ هذه الحرب، جاءت للقضاء على النّزعات القومية، وهم بذلك يحاولون تبرير هدْم العروش العريقة؛ وهي كذبةٌ مفضوحةٌ روّجتْ لها وسائلُ الإعلام، وأسهلَ على إثرها (الطّبالون) بأجرة، وعملاء (فرنسا، وأمريكا)؛ ونحن نسألهم عن العنصرية التي سادت خلال الحرب الأولى، والحرب الثانية.. فماذا عساهم يقولون في عملية الفصل بين الجيوش البيضاء، والجيوش السوداء؟ لقد شاركتْ (أمريكا) في كلا الحربين بجيش من البيض، وجيش من السود؛ بل حتى في مجال السلاح الجوّي، في الحرب الثانية، كانت هناك أطْقُم من طيّارين بيض، وأخرى من طيّارين سُود، وكان يُمْنَع اختلاطُ الأحرار البيض بالعبيد السود؛ فكيف يفسّرون هذا في حربين كانتا من أجل الإنسانية، والحرية، والديموقراطية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، و… و… و… إلخ؟

لقد تحدّث الرئيس الفرنسيُ [ماكرون] عن السلام، وأجاد في الكلام، معنًى ومبنًى، ولكنّ الدليل الذي يكذّبه كان ماثلا أمامه تماما بين الحضور، وأعني به رئيس وزراء الكيان الصهيوني الغاصب [نتانياهو]، قاتِل الأطفال، ومنتجَ الثّكالى، والأرامل، وهادِم البيوت، ومشرِّد الأسَر، ومحوّل أرض فلسطين إلى معتقلات نازية.. فماذا يقول [ماكرون] في حق جزّار الضفة والقطاع، وقد كان قيامُ دولة [إسرائيل] من بين أهداف الحرب العالمية الأولى إذ بدأ أوّلا التصريحُ بنيّة إقامتها في (02 نونبر 1917)، وتحقّقتْ كواقع بعد الحرب العالمية الثانية يوم (14 مايو 1948)؟ والآن نقَل [ترامب] سفارة بلاده إلى (القدس)؛ فكيف يتصوّر [ماكرون] سلامًا بدون أن ينال شعبُ فلسطين حقوقَه المشروعة؟ !



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق