فلا رجاء للفقراء في عالم تحكَّم فيه الأثرياء

فلا رجاء للفقراء في عالم تحكَّم فيه الأثرياء

2018-12-26 08:24:36

يجب علينا أن ندْرس التاريخ؛ لأنّ التاريخ لا يُكرّر نفسَه، ولكنّه يكرّر أحداثَه فعلاً، وذلك لأن هدف الصراع المستمرّ، هو نفسه منذ أزمنة سحيقة.. الصراع الدائم القديم هو نفسه اليوم بيْن قِوى الخير وقِوى الشّر.. والواقع، أن كلاًّ من قوى الخير والشر، قد انقسمتْ بدورها، إلى أحزاب متعددة، تتصارع فيما بينها في محاولتها الوصول إلى الهدف؛ وهذه الخلافات كانت وما تزال نتاجا لوسائل الإعلام التي تُستعمَل لنشر الأكاذيب، أو الحقائق الناقصة، للتأثير على الجماهير، وقد استخدم تجارُ الحروب، وسائل الإعلام، لتقسيم الإنسانية إلى معسكرات متناحرة لأسباب سياسية، واقتصادية، ومالية، بحيث يكون بإمكانهم دومًا استثارة كلٍّ منها حتى يصلوا بهما إلى درجة الهيجان التي ينقضّ فيها بعضُهم على بعض، ويدمَّروا جميعا.. فأية حرب، أو صراع، أو أزمة، إلاّ وهي كلُّها تذرّ البلايين يوميا على مَن أجّجوا نارها، فترى حروبا يموت فيها الفقراءُ، تحت عناوينَ برّاقة، والرابح فيها هم أصحاب المال.. فأنت ترى أنهم ساعدوا الشيوعيةَ والنازية على النهوض، ثم موّلوهما معًا لتدمير العالم، وقد قرروا أن يكون الفوزُ للشيوعية؛ ثم ساعدوا الرأسمالية على النهوض لتدمِّر الشيوعية، وقد حدث لتبقى الصولةُ والجولةُ للرأسمالية كقِوى مهيمنة على العالم؛ والآن، جاء دورُ الفقراء ليكونوا قرابين على مذابح اللّيبرالية المتوحّشة، بواسطة تجّار، ورجال أعمال، صاروا هم مَن يشكّل الحكومات، ويخطّط السياسات، ويروّج لديكتاتورية شاملة أسموها الديموقراطية التي يحتفظ فيها الحاكمُ بمنصبه بموجب انتخابات صورية محسومة نتائجُها ومعروفة سلفًا..

تسمعهم يتحدّثون عن حقوق الإنسان؛ وحقوق الإنسان الثابتة هي العيش، والتعليم، والصحة، والسكن، والشغل، والتقاعد عند الشيخوخة.. هذه الحقوق كلّها تُنسَف بما أسموه بسياسات الإصلاح، وبعضها يغضّون عنه الطرف، لتحلَّ مكانه حقوقٌ وهمية لا قيمةَ لها، فترى ضرْبَ التقاعد، ورفْع الأسعار، وتضخيم الضرائب، وتنويع المظالم التي اكتستْ صبغةً قانونية؛ وهذه القوانين تقضي بأنّ الحق هو القوة حسب فلسفة (روتشيلد) في [فرنسا]؛ ثم ماذا ينتظر فقيرٌ أو مواطنٌ بسيط، من تاجر أو رجل أعمال، أو سمسار، صار وزيرًا؟ فالشعب في نظر هذا الوزير الثري مجرّد قطيع، والمواطن مجرّد زبون، والفقراء مجرّد مصفّقين لخيبتهم دون شعور.. فأنت ترى اليوم [ترامب] لا يهتمّ بمشاكل المناخ، وبمستقبل الكرة الأرضية؛ ولجشعه يكذّب كوْنَ العالم مهدّدًا، وتراه يمنع الهجرة بالقوّة، مع العلم أن بلاده هي الأصل في جل مشاكل هذا الكوكب؛ وتراه يبتزّ أصحابَ المال، ويهدّدهم بمستقبل قاتم إنْ هم اعتمدوا البخلَ؛ وتراه يكنز مالا وذهبا وفضة، وأمريكا تعج بالفقراء، والساكنين في العراء، وشوارعها اصطفّ على أرصفتها متسوّلون، من قدماء المحاربين، في [كوريا، وڤيتنام] وعمّال، وموظّفون، حُرموا من تعويضات تقاعدهم، فيما ملاييرُ تصرَف في برامج غزْو (المرّيخ) باعتباره بديلاً للحياة على الأرض مستقبلا، فيما لا حياة إلاّ على الأرض؛ قال تعالى: [منْها خلقناكم، وإليها نُعيدُكم]..

فما تراه من مظالم، وبُؤْس، وشقاء، تمّ التخطيطُ له بدماء منذ زمن طويل، وعبْر مراحل، وشقاء الفقراء سيزداد؛ ونحن نعرف ما فعله بهم الجنيرال [ماك آرثر] الذي صار بطلا في الحرب العالمية الثانية، حيث قتل آلاف المحتجّين في (نيويورك) سنة (1913) مستخدمًا الدبابات، والمصفّحات؛ نحن نعلم ما فعلتْه الحكومةُ الأمريكية بالمضربين في معامل [فورد] للسيارات، فقتلت الآلاف وجرّبت فيهم رشّاش (ماكسيم) لأول مرة، قبل أن تعتمده في الحروب.. في تقرير (العالم 2000) أي [GLOBAL 2000] لإدارة [كارتر]، وقد كتِبَ أساسًا من قِبَل (المفوَّضية الثلاثية)، يتوقع هذا التقريرُ، استمرارَ الفقر، والتعاسة الإنسانية، كما يتوقع النمو المذهل لعدد السكان، وأن المتطلّبات البشرية في تزايُد مطّرد، فإنّ إمكانية الضغط والضرر الدائم لقواعد مصادر الكوكب الطبيعية حقيقية جدّا.. فما هو الحل إذن؟ الحل هو تدمير الدستور الأمريكي، لكي لا يكونَ مضمونُه للفقراء حجةً على الساسة، وأباطرة المال، والأعمال، وما يفْعله [ترامب] اليوم، لخير دليل، وهو يعْبث بالشعب الأمريكي كما يحلو له، خدمةً لأهداف مَن أوصلوه إلى البيت الأبيض، بديموقراطية كاذبة، وانتخابات صورية، محسومة نتائجُها سلفًا..

وردتْ أفكارٌ غريبة في مجلّة (الخطابات الحيوية لليوم)؛ جزء (67)؛ عدد (08) فبراير (1981)؛ صفحة (227)؛ والأكثر غرابةً من هذه الأفكار، هي أفكار [كينيث بولدينج؛ وإسحاق أزيموڤ؛ وجاريت هاردَن] الذين قارنوا الأرضَ بسفينة فضائية أو قارب نجاة،. محمّل فوق طاقته، وفيه غذاء كافٍ فقط لبضعة أناس من النخب، ولا يوجد فيه طعام كافٍ لتغذية العدد الفائض من الناس الفقراء؛ هؤلاء يجب أن يُرْموا خارج السفينة، وبمعنى آخر، قتْلهم إما بالحروب، أو الأوبئة؛ لذا ينبغي تدميرُ الفائض بكل الوسائل بما فيها حروب الإبادات، والأوبئة، والمجاعة، والكساد الاقتصادي؛ نعم؛ وكذلك الإرهاب؛ وقد رأينا ذلك في إفريقيا، والبوسنة، والشرق الأوسط، وما نراه الآن لخير دليل على هذه السياسة النكراء؛ فلا تصدّقوا أصحاب التنمية، وحقوق الإنسان، من أحزاب، ونقابات، وبقية الطّبالة في التلفزة؛ فلا رجاء للفقراء، في عالم تحكّم فيه الأثرياء، وصار ملكيةً خاصةً لهم؛ هذه هي الحقيقة المؤلمة للأسف الشديد..



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق