عن مؤتمر الصوفية الأخير ببلادنا أتحدّث

عن مؤتمر الصوفية الأخير ببلادنا أتحدّث

2018-12-27 08:15:12

لو دقّقتَ النّظرَ جيّدا، لألفَيت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ بلدَنا [المغرب] هو أكثر بلدان العالم على الإطلاق تنظيمًا للمؤتمرات، والمناظرات، والندوات، إلى جانب الحفلات، والمهرجانات، والمواسم المرتبطة بأضرحة الأزمنة الغابرة؛ فتُراقُ في سبيلها الملاييرُ من أموال أمّة فقيرة تعجّ بالفقراء، والمرضى، والأرامل، والأيتام، والمشرّدين، والعاطلين، وآخرون يسكنون في الكهوف المدْلَهِمّة، تزورهم خلسةً منظماتُ التبشير، والتّمسيح، وتساعدهم بهبات جادتْ عليهم بها يدُ (الرّب والسيد) فيسأل المسحوق المنسي عن طبيعة، وشخصية هذا (الربّ والسيد) ليشكره، ويعبدَه، وقد فكّر في آلامه، ومعاناته؛ فيقدَّم له (الكتابُ المقدّس) مفتوحًا على الآية التي تقول: [اعْطُوا؛ تُعْطُوا]؛ والغريب في الأمر، هو أنّ هذا الكتاب المقدّس، مكتوبٌ باللهجة الدارجة، التي كان يراد لها أن تصبح لغةَ تدريس في مدارسنا؛ والفقر كما قال الإمامُ [عليٌّ] كرّم الله وجهَه، كاد أن يكون كفرًا.. يحدث هذا في وقت يتخاطف فيه البرلمانيون على الحلوى في البرلمان، ثم يرفضون حكومةً، وأحزابًا، ونوّابًا، اقتطاعَ ضريبة (100) درهم من رواتب الوزراء تضامنًا مع الفقراء، والأيتام، والأرامل..

ثم عَجبي من حكومة وبرلمان، بغرفتيْه، لم يوجدْ من بينهم مسلمٌ واحدٌ يعرف ما قاله الله عزّ وجل في شأن الصدقة الخالصة لوجْهِه تعالى، والتي تردُّ البأسَ واليأسَ، وتدفع البلاء، وتبعِد الشّر عن الأمّة، وقد أوصى بها رسولُ الله وحثّ عليها؛ فجمْعُ شمل أسرة فقيرة تعيش في العراء، هو خيرٌ من بناء مسجد، وإذا بُنِيَ هذا المسجدُ والناس يسكنون في العراء أو شُرِّدوا من بيوتهم استجابةً لقانون وُضِعَ عُنوة لذلك، لسُمِّيَ هذا المسجدُ (مسجدًا ضِرارًا)، وقد جاء ذِكرُه صراحةً في القرآن الكريم، إذ قال عزّ وجلّ: [والّذين اتّخذوا مسجدًا ضِرارًا] صدق الله العظيم. و(ضِرارًا) تعني هنا كلّ ما يضرّ بمصالح المسلمين، وهذه الحكومة، ومجلس المستشارين، ومجلس النواب، والمجالس الحضرية، والقروية، ومجالس الجهة، والمجلس الأعلى (لكذا)، والمجلس الأعلى (لكيتْ) وغيْرها من المجالس الصُّورية المنتصبة هنا وهناك في هذا البلد الأمين، كلُّها (مجالسُ ضِرار) بلا شكّ، لأنها تضرّ بأرزاق، وأقوات، وحقوق الرّعية؛ لأنها ليست من الشعب، ولم تُخْلَقْ أصلا للشعب وهمومه، ممّا يجعلها غريبةً عنه، والشعب لا ذكرَ له في أوساطها، بل يسمّى (القطيع) كما أسماه (قُطْب) وكما يمارسه في سياسته (حزب العدالة والتنمية) المعادي للدّين، والوطن والملَكية كما يعرف الجميعُ.

يعنينا في هذه المقالة، مؤتمرُ الصّوفية الذي انعقد في بلادنا أواخر شهر (نونبر) الأخير، وكم هي مؤتمرات الصّوفية التي انعقدتْ في بلادنا، وشارك فيها (الصوفيون) مرتادو الحفلات، والموائد الخضراء الغنية، ومُحْتَسو المشروبات، وعشّاقُ ما لذّ وطاب من الطبخ المغربي الأصيل؛ فمنهم من يبدو ضعيفًا أمام دجاجة محمَّرة، وهي في وضعية (ضربة مقصّ) في الطاجين المغربي الأصيل؛ ومنهم من تأخذه الكتفُ المجمّرة، وهو بعلْمه الصوفي يعرف مِن أين تُؤْكَل الكتفُ.. ثم الشِّواء ينعش الجسد، ويغذّي الروح، فيتذكّر بعلمه سورة (المائدة)، وقد قرأها في القرآن الكريم، وها هي الآن مجسَّدة أمامه في مغرب الضيافة، ومعقِل الصوفية الحقّة، وقد أتى إلى مغرب الصوفية مَن لا علاقةَ له أصلا بالصوفية، والمغرب لا طريقة له لمعرفة من هو الصوفي، ومن هو الدّخيل؛ لكنّ اللِّباسَ هو الدليل على الصوفية رغم أنّ المثل الفرنسي يقول صراحةً لفضح هؤلاء: [L'habit ne fait pas le moine]؛ ولكنّ (l'habit) هو كل شيء في بلد المظاهر الخادعة؛ المهمّ هو أنْ تُتْقِنَ الدَّورَ بكفاءة، في أية مؤسّسة أو تظاهرة، فيصفكَ (الطبالة) في التلفزة بما ليس فيك.. انتهى مهرجانُ (الصوفية)، وعاد الأكَلةُ من حيث أتوا، على متن طائرات مريحة، بعدما قضوا أيّامًا مريحة، في فنادقَ مريحة، بعدما شهدوا منافعَ لهم، ونالوا تعويضات، واقتنوا أشياء ثمينة لزوجاتهم، وأبنائهم، وأدلوا بتصريحات كاذبة لتلفزة الكذب، والتّضليل، وتعمّدوا الورع، والتقوى، و..

لكن من هو الصّوفي؟ فالنبي صلّى الله عليه وسلم، لم يتركْ، ولم يوصِنَا بالتصوف، وانتقل إلى جوار ربّه، تاركًا الدّين كاملا غير منقوص، بدليل قوله تعالى: [اليوم أكملتُ لكم دينَكم] صدق الله العظيم. فكلُّ زيادةٍ أو نقصان في هذا الدّين، فهي بدعةٌ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.. الصّوفي مَن اتّبع طريقة التّصوف، واتّسم بسمات أصحابها؛ وسُمِّي بالصوفي لأنه يفضّل ليس الصوف تقشّفًا، وقيل أيضا إن اسمه مأخوذٌ من الصفاء، لأنه هو الذي يصفو قلبُه بكفّ النفس عن الهوى، والاستغراق بالكلّية في ذكْر الله.. وللصّوفي عدة تعريفات، منها قولهم: [إن الصوفيَ هو الذي صفا من الكدَر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله عن البشر، واستوى عنده الذهبُ والـمُدَرُ، والحريرُ والوبَر].. [إنّ الصوفي من لبس الصوفَ على الصّفا، وأطعم الهوى ذَوْق الجفا، وكانت الدنيا منه على القفا، وسلك منهاج المصطفى] والصوفي في اصطلاح الفلاسفة، هو الذي يزْعم أنه يستطيع أن يرتقي إلى الكشف عن الحقائق الخفية، أو الذي يزعم أنه يستطيع أن يدركَ الحقائقَ الإلاهية بحدْس متعالٍ، إمّا بطريق الإلهام، وهو طريق الأولياء؛ وإمّا بطريق الوحي، وهو طريق الأنبياء؛ فإذا اعتقد أنّ الله سام، جدّ واجتهد، وصعد مرتبةً مرتبةً حتى يصل إليه؛ وإذا اعتقد أن الله كامنٌ في أعماق نفسه، غيْر منفصل عنها، تعمّق في إدراك ذاته لكشف الحجُب عنها حتى يصلَ إلى إدراك الذات الإلاهية.. والحقائق الصوفية عند العلماء الوضعيين، مرادفة للحقائق الغيبية، وهي التي تجاوِزُ عالمَ الظواهر، ولها عند الشعوب البدائية تفسيرات خفية.. (اُنظر المعجمَ الفلسفي؛ حرف: (ص))..



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق