لأية صوفية يحتاج شعبُنا المقهور؟

لأية صوفية يحتاج شعبُنا المقهور؟

2018-12-31 09:11:44

كما رأينا في مقالة سابقة، فإنّ [ابن باجة] كان واضحا، وصريحا، وصادقا تجاه ما يزعمه الصّوفيةُ، من إطلالهم على الشؤون الغيبية الإلاهية، وما يدّعون رؤيته في الخلوة والنّسك، وهي كلها اعتبرها [ابنُ باجة] أغاليط، كما اعتبر الدعوةَ إلى التصوف والعزلة مجرّد خداع للناس، وتضليل؛ فليس حسب نظره من حقّ طالبِ الحقّ أن يعْرض عن الدنيا، بل من واجبه أن يختلط بالناس من أجل خيرهم، وليس الفرار منهم، والبعد عنهم، فالتقرب إلى الله عزّ وجلّ، يكون بالعمل، وليس بالخلوة، والنّسك، والعزلة، كما يدّعي الصوفية، وهم يأتون إلى بلادنا من أجل الموائد الخضراء، والدجاج المحمّر.. قال الشاعر:

اِتّقِ الله واحذرْ أن يغُرّكَ ناسكٌ * بما هو فيه من تغيّر حالِه

فهذا الذي في صومه، وصلاته * كذاك الذي في حلِّه وارتحاله

فَكذِّبْ زعيمًا قال إنّي دَيِّنُ * فما دينُه إلاّ ضعيفُ انتحالِه

يماحِلُ في الدّنيا الخؤُون، وإنّما * يؤمِّل نزرًا فانيًا بمِحالِه

ولا تطيعَنّ قومًا مَا دِيانتُهم * إلاّ احتيالٌ على أخْذ الإتاوات

وإنّما حمّل التّوراةَ قارِئَها *  كَسْبُ الفوائد، لاَ حُبّ التِّلاوات.

وفي هذه المقالة، سوف نقترح على القارئ الكريم، سبعة أسماء لمن نراهم صوفية بحقّ في حياتهم، وبأعمالهم، وسلوكهم في المجتمع؛ فما طمعوا في الدنيا، ولا غرّتْهم مباهجُها؛ بل رموها وراء ظهورهم، وما بدّلوا تبديلا، وما ادّعوا تديُّنا، ولا صوفية، بل كانت أفعالهم شاهدةً لهم، وهيهات أن يبلغ مستواهم صوفيةُ المؤتمرات.. الصوفي الأوّل الذي زهد في الدنيا، وأطماعها، فهو أمير المؤمنين [عمر بن الخطّاب] رضي الله عنه، وقد حكم إمبراطوريةً شاسعةً، لم تتيسَّرْ لا لمن سبقه، ولا لمن أتى بعده، حتى لإنّه رفض لزوجته شراءَ الحلوى التي تَسابقَ عليها صوفيو البرلمان كما شهدنا.. وهذا الصحابيُ الجليل [سُراقة] يعيد سِوارَ كسْرى إلى بيت مال المسلمين، رغْم فقرِه، قائلاً: [صدق رسولُ الله؛ ولكنّ بيتَ المال أولى بالسوار منِّي].. وصوفيةُ الحكومة والبرلمان يعزّ عليهم المساهمةُ بـ(02) في المائة من رواتبهم لصالح الفقراء، والمرضى، والمشرّدين؛ واحرّ قلباه!

وهذا [أبو ذرّ الغِفاري] الذي آل على نفسه الدفاع عن الفقراء، والمقهورين، والساكنين في العراء، وكان لا يتورّع في أن يقول كلمةَ حقٍّ أمام حاكمٍ جائر.. مشى وحده، ومات وحده، وسيُبعَث يوم لقاء الله وحده، لأنّ حسناته لن تتركَ مكانًا شاغرًا حوْله؛ كان شعاره الخالد: [لا حاجة لي في دنياكم] أيُّ رجل هذا، وأيُّ ناسكٍ هذا وأيّ صوفي هذا! ثم من هذا؟ إنه أمير المؤمنين [عمرُ بن عبد العزيز] رضي الله عنه، كان كلّما دخل بيتَه، اختبأتْ منه طفلاتُه؛ فلمّا سأل زوجتَه عن السبب، قالت له إنهن أكلن عدسًا ببصل، وخِفْنَ أن تشتمَّ منهنّ رائحةَ البصل.. بلغه أنّ ولاتِه يثْقِلن كاهل المواطنين بالضرائب فكتب لهم يقول: [إنّ الله بعث محمّدًا هاديًا، لا جابيًا]؛ فأمر باحترام مصادر عيش الناس، وبأن لا تُمسَّ أملاكُهم، وأقواتُ عيالهم، قائلا لهم [اعْتدِلوا، أوِ اعْتَزِلوا]. وليس مثْل [العثماني] الذي يخرِّب (الحوار الاجتماعي) رغْم تعليمات ملكيةٍ إرضاءً للسيدة [فرانسواز لاغارد].

قد يسألني القارئُ الفاضلُ عمّا إذا كان هناك صوفيون من غيْر المسلمين؛ وجوابي هو: نعم! وسأختار منهم ثلاثة أسماء لضيْق الحيّز: الأول هو الفيلسوف الشهير: [إسْبينوزا: 1632 ــ 1677].. كان فقيرًا، وبلا مأوى، وكان حظّه وفيرًا من التهم، وقد مُنِع الناسُ من مساعدته، أو إيوائه، أو التقرّب منه؛ كان يعتاش من تنظيف زجاجات النظارات.. كانت فلسفته شيّقة، وأسلوبه سلسًا، وكان يكره استخدامَ الأفكار الخاطئة لخلْق الفوضى، وعدم الاستقرار.. كانت مؤلّفاتُه محظورة، ولم يكن له من أصدقاء غيْر صديقٍ يحترمه، وكلْب وفي يلازمه.. ذات مرّة دفع له أحدُ الأثرياء ثروةً لإخراجه من الفقر، لكنّه رفض الهديةَ شاكرًا، كما حاولت السلطة التقرّب منه على حساب أفكاره، ومبادئه، لكنّه رمى بالعرض خلْفَ ظهره… مات [إسْبينوزا] سنة (1677) فدفنه صديقُه بصحبة كلبه الذي مات بعد يومين من شدّة حزنه، وأساه على مولاه..

لو رأيتَه يمشي متّكئًا على عصاه، بجسم نحيل، لخيّل إليك، أنّك وبنفخة واحدة، ترديه طريحًا؛ ولكن في أعماق هذا الشيخ الورع، كانت توجد قوّةٌ لا تُقْهَر، وشجاعةٌ لا نظير لها.. إنّه الأديب، والمفكّر، والوطني الصادق، صاحب كتاب (الحرب والسلم)، إنه [تولستوي: 1910 ــ 1828] كان الرجل ملْحدًا، فآمن بالله عزّ وجلّ، وقال: [الإلحادُ جَفافٌ قاتِل].. كان غنيًا غنًى فاحشًا، فتنازل عن ثروته، وأراضيه للفقراء، وصغار الفلاحين.. كانت حياته كلّها دفاعًا عن الفقراء، والمشرّدين، كلّها سخرية من الباذخين، والمنافقين، والكذّابين على الشعب.. كان يوافق [مونتيسكيو] في أنّ مبدأ الملَكية هو الشرف؛ لكنّه كان يرى أنّ المحيطين بالملك، لا شرف لهم؛ فكان لا يخرج من السّجن إلاّ ليدخلَه مجدّدا.. كان يقول إنّ جيش (نابليون) لم يُهْزَمْ بسيوف الإمبراطورية البرّاقة، ولكنْ بعصا الفلاّح القاسية؛ هذا الفلاح الذي أهانه العمدةُ، والوزيرُ، وحاكمُ المنطقة، وبالجملة، هُزِم جيشُ (نابليون) بإرادة الشعب الذي لا يُقْهَر، ثم يتساءل عمّا قدّمه الذين يعيثون في البلاد فسادًا، وظلمًا، وجوْرًا، ويفتحون أبوابَ السجون ويصُدّون أبوابَ الرزق أمام الشعب؛ ثم تنبّأ بأنّ الكارثة قادمة لا محالة.. مات الرجل في إحدى محطات القطار في [روسيا] مترامية الأطراف، آخذًا معه إلى قبره، همومَ أمّته، وقد حدثتِ الكارثةُ بعد موته، كما تنبّأ في حياته.. ذاك هو [تولستوي]..

من هذا؟ إنه الصوفي والرّاهب الورع، أبُ الفقراء، والمشرّدين، المحامي عمّن لا مأوى لهم، إنه الأب [بيير: 1912 ــ 2007]؛ فمن يأتيني بمثله في أرض الصوفية؛ في أرض الإسلام؛ في أرض المساجد؛ في أرض مَن يدّعون الإسلامَ كذبًا ونفاقًا؟! هذا الراهب هو صاحب النداء المدوّي بما أسماه [قُرحة الفقر].. هذا الرجل الورع هو من أجبر الحكومة على تشييد عشرات الآلاف من المساكن لمن لا مأوى لهم سنة (1954).. لقد كان برلمانيًا، ولم يتسابقْ على الحلوى، ولم يصوِّتْ ضد حقوق الشعب، ولم يدافع أبدًا عن تقاعُده أو عن تعدُّد التعويضات، أو يصوّتْ على الانتقاص من أجور العمّال، والموظّفين، أو يقترح الزيادةَ في أثمان السلع، والمحروقات، ولم يجاملْ أعداءَ الوطن من أكلة، وباذخين، ومتسابقين نحو مناصبَ عليا.. مات الأب [بيير] في يوم (22 يناير 2007)، وصدْرُه مرصَّع بنياشين الكرامة، والعزّة، وفوق قبره أكوامٌ من الورود؛ وبكتْه عيونٌ بلآلِئَ رطبة..

فمَنْ في المغرب مثْل هؤلاء الصوفيين، غيْر جلالة الملك (محمد السادس) نصره الله، وقد جعل من القوات المسلحة، وهي قوات قتالية، فجعلها جلالتُه كذلك قوات اجتماعية، تحارب البردَ القارس، والأمراض، وتنشر مستشفيات ميدانية في مناطقَ صعبة، وتنقل إلى الفقراء أغطية، وأغذية، وأدوية، وتجري للمرضى عمليات جراحية مجّانية.. وبتعليمات ملكية سامية، انتشرتْ هذه القواتُ لمساعدة ضحايا الحرب، والطقس، في سوريا، والأردن، وفلسطين السليبة؛ وأقيمت لذلك جسورٌ جوّية، وهو ما لم تستطِعْه حتى دولٌ تتبجّح بالديموقراطية، وحقوق الإنسان؛ ثم نادى جلالتُه برسالة سامية إلى الأفارقة من أجل مدن إفريقية خالية من الأطفال في وضعية الشارع؛ وهي كلّها أعمالٌ جليلة سيذْكرها التاريخُ لجلالته، ويجزيه عنها الحقُّ عزّ وجلّ خير الجزاء.. فأريني ما قدّمتْه الحكومةُ والقبّتان، ومجالس البهتان، في كل مكان؟! فبماذا سيتباهى (العثماني) وزمرتُه، والأحزابُ المتحالفةُ معه، على الإثم، والعدوان، على مصالح الشعب؟ الجواب: بلا شيء!

 



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق