إنه وقتُ مشانق تُنْصَب لا وقتَ ورودٍ تُنْثَر وشموع تُشعَل وصُوَر تُرفَع

إنه وقتُ مشانق تُنْصَب لا وقتَ ورودٍ تُنْثَر وشموع تُشعَل وصُوَر تُرفَع

2019-01-13 09:06:15

خلال الوقفات المنظَّمة في كذا منطقة ومدينة تنديدًا بالجريمة الوحشية التي ذهبتْ ضحيتها سائحتَان إسكنديناڤيتان في الحَوز، حرص المنظّمون على ألاّ تُرفَع أيّةُ لافتة تنادي بتنفيذ عقوبة الإعدام في حقّ القتَلة، كما حرصتْ التلفزة الرسمية، على ألاّ تُذْكَر هذه العقوبةُ في شرائطها الإخبارية؛ لكنّ الذين تم استجوابهم، ركّزوا في الواقع على ذكْر أكاذيب من قبيل: [هذه الجريمة غريبةٌ عن مجتمعنا.. هذه الجريمة مخالفةٌ لأخلاقنا.. هذه الجريمة لم تعرفْ بلادُنا مثيلاً لها عبْر تاريخها].. لكنّ المغاربةَ في كل الشوارع، والأوساط، يطالبون بتنفيذ عقوبة الإعدام في حقّ القتلة، تمشّيا وتنفيذًا لأحكام الله عزّ وجلّ، وتأسِّيا بأخلاق رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم في مثل هذه الحالات؛ وإنّي لأتساءل عن أيّ مجتمع كانوا يتحدّثون، الذي كانت هذه الجريمةُ غريبةً عن أخلاقه؟ فهذا المجتمعُ عرف جرائمَ نكراء أفظع وأبشع من جريمة جبال الأطلس الأخيرة، نذْكر منها مثلا طحْن مُحامٍ وزوْجته، وتحويل جثتَيْهما إلى كفتة.. قتْل أسرة من خمسة أفراد بعين لا تدمع، وقلْب لا يخشع.. اغتصاب (11) طفلاً، وقتْلهم، ثم دفْنهم في الخلاء.. اغتصاب طفلةٍ، ثم قتْلها، وإلقاء جثّتها في بركة.. طعْن شرطي بمُدْية داخل المحكمة.. شرطي داسه (خطّاف) بسيارته تعمُّدًا، قبيْل موعد الإفطار في رمضان، وكلّ القتلة يعيشون في أمن وأمان، ويتمتّعون بالتغطية الصحية، ويقتاتون من أموال الأمّة التي قتلوها، ومنهم من عقدتْ معه التلفزةُ لقاءً، وكرّمتْه، وسمعه المغاربةُ، وقد أصبح فيلسوفًا، ومفكِّرا، ومفتيًا ثم [يا حسرة على العباد] صدق الله العظيم.

دَعْنا أولاً نعرِّف بالجُرْم أو الجريمة عند الفلاسفة: الجُرْم في اللغة التعدّي والذّنب، وهو الجريمة؛ يقال أجْرَم عليهم وإليهم جريمةً، بمعنى جنى جنايةً، والجنايةُ هي كلّ فعْل محظور، يتضمّن ضررًا.. أمّا إذا كان الفعل الذي ارتكبه المجرمُ شديدَ المخالفة لقواعد الأخلاق والشرع في مجتمع معيَّن، سُمِّيَ جرمًا أو جريمةً؛ وإذا كان قليلَ المخالفةِ، سمِّي ذنْبًا أو جناحًا.. والجرم في القانون أو الجريمة، هو الفعل الذي يحاسَب عليه المجرم باسم المجتمع كلِّه، لا باسم الفرد الذي تضرّر به، أو هو الفعل الذي يعاقَب عليه المجرم عقابًا شديدًا وشائنًا، ومؤلمـًا، لا عقابًا تأديبيًا.. فمثلاً قاتِلُ النفس بغير حقّ، يُقْتَل شرعًا، وقانونا، وعُرْفًا، وليس هناك من عقاب غيْر النفس بالنفس؛ والإجرامُ هو ارتكاب الجرائم، ويُطْلَق على الأفعال التي يُعَاقَب عليها المجرمون، أو على انتشار الجرائم في زمان معيّن، أو بلد معيّن، أو طبقة معيّنة من الناس التي تَعتبر القتلَ عبادةً، وتقرّبًا إلى الله، وجهادًا، كما يفعل الإرهابيون اليوم كلّما سقطتْ بين أيديهم ضحيةٌ، حيث لا تنجو منهم، فينفّذون فيها أحكامَ عقيدتِهم، تمشيًا مع وصايا فقهائهم، ثم لا ينْدمون على أفعالهم، وكلّما كان المجتمع متسامحًا معهم، ازدادتْ جرائمُهم، وفشتْ مجازرُهم، وشاعتِ الجريمةُ في الأمّة، كما هو الشأن في هذا البلد، حيث المجرم مطمئنّ مسْبقًا على حياته، لتواجُد مَن يحرص على حياته من سَفلة القوم، وأعداء الله، والوطن، والحياة؛ وهم أصحابُ نفوذ، ومناصبَ، وقرار في هذا البلد..

فالمجدُ للسيف، وهو يقْطُر من دماء القتلة، لا المجد لورود تُنْثَر، وشموع تُشْعَل، وصورٍ لضحايا تُرفَع أمام كاميرات تلفزة التضليل، والبهتان.. فذَوُو الضحايا يريدون أن يُبْعثَ إليهم بصور القتلة، وقد أُعْدِموا، حتى يرتاحوا نفسيًا، ويرقُد ذَوُوهم المقتولون في قبورهم في سلام، وقد أُنصِفوا، ونُفِّذَ العدلُ في حق قاتليهم؛ لهذا فهم يتملْملون في قبورهم، ما دام العدل قد عزّ، والظلم قد انتشى، والقتلةُ ينعمون بحياة، حُرِمَ منها الضّحايا، ثم ما كان الله ليباركَ أمّةً تعطِّل حكْم الله فيها وتطبّق حكْمَ منظّمات، وجمعيات تحرص على حياة المجرمين، وترعاها ضدّا على مجتمع يتميز غيظًا، ويأْلم من عدْل انتفى، وظُلْم انتشى، مع العلم أنّ هؤلاء القتلة، لا فائدة للأمّة من بقائهم على قيد الحياة، وقد كان من الواجب أن تُطهَّر الأمّةُ منهم، وأن يُعْدَموا [avec tous les raffinements] لتستعيد البلادُ حرمتَها، وكرامتَها بين الأمم، فتكون للحياة قيمتُها، كما أراد لها الله عزّ وجلّ، لأن [القصاص حياة]..

الجرائم النكراء سوف تزدادُ في البلاد، والمجرمون سينشطون، لعلْمِهم المسْبق بأنّ الإعدامَ معطَّلٌ في البلاد، وبأنّ الحياةَ لا قيمةَ لها ولا حرمة، ولمعرفتهم بأنّ هناك منظمات، وأصحاب قرار، يدافعون عنهم، ويخْدمون مصلحتَهم، وأنّ أقصى الأحكام بعْد جرائم القتل، هو العيش في سلام، في سجن فيه أكلٌ، ومبيتٌ، وتغطيةٌ صحية؛ بل صار المجرم يتمتّع بمسرحيات، ومهرجانات غنائية، ويحتفل بكل المواسم والأعياد، ثم يدْعو: (اللهم أدِمْها نعمة، واحفظْها من الزّوال) كما تزوره منظّماتُ حقوق الإنسان، رغم أنه ليس بإنسان إطلاقًا، ولا حتى بوحش، لأنّ للوحوش دَورًا في التوازن البيئي؛ فأيُّ دَور للمجرم في الحياة بعد جرمه الفظيع، وبعدما لعنه الله وملائكتُه!؟

ثمّ، رأيُ الطّبالة في تلفزتهم *  وَحْيُ السّماء، وفتنةُ الشّيطان

يرفعون الوضيعَ سفاهةً * ولربّما وضعوا رفيعَ الشّان

يصوِّبون المخطئين تعمُّدًا * ومن المصيبة زُخْرفُ العنوان.



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق