تسكن (الڤيلاّ وغيرُك (نوالة

تسكن (الڤيلاّ وغيرُك (نوالة

2019-02-03 09:13:00

شاع الخبرُ في الأصقاع والبقاع، واخترق الآفاق بواسطة الصحون والأطباق، وضرب الناسُ كفّا بكفّ وهم يتساءلون: هل صحيح، رئيس الحكومة [سعد الدين العثماني] قد يشتري أو اشترى (ڤيلاّ) بعملية (دارتْ)؟ عملية يشارك فيها عادةً ذوو الدّخل المحدود من عمّال وموظّفين لاقتناء بعض لوازم البيت، ولكنْ أن تكون عمليةُ (دارت) تخصّ شراءَ (ڤيلاّ)، ويكون مشتري هذه (الڤيلاّ) هو رئيس الحكومة الذي ينتظر منه الشعبُ أن يجد حلولاً لمشاكله الاقتصادية، والاجتماعية، والقطاعية، فهذا ما يبعث على الدّهشة، وهذا ما نتهت إليه (عبقريةُ) وعقليةُ رئيس حكومة في زمن صعْب، ومرحلة دقيقة، وهل رئيسُ حكومة مغربية محتاجٌ أصلا إلى (ڤيلاّ) تساوي الملايير؟ هل فعلا سيؤدّي ثمنَها بعملية (دارت)؟ وهل الذين سيشاركون في (دارتْ) أموالُهم حلالٌ، ونظيفة، ومن عرق الجبين؟ أشكّ في ذلك. فرجلٌ متّزنٌ وحليم، يشغل منصب (رئيس الحكومة) لا يدخل أبدًا مثْل هذه العمليات المشبوهة، بل يحافظ على نظافته، وبساطته، وسط مجتمعه، ناهيك عن أنه زعيم حزب يدّعي الورعَ والتقوى، وصوّت عليه من كانوا يثقون به، فإذا هو صاحب طموحات دنيوية تفوق قدراته، ممّا يفترض أن عميلة (دارتْ) إنما هي غطاء لعمليات أخرى قد يفصح عنها الزّمن ذات يوم..

لطالما خدعوا بالدّين، وادّعوا ورعًا وتقوى؛ لطاما نقضوا وعودًا، ونكصوا عهودًا، ونحن على ذلك صرنا شهودًا، فقال فيهم (أبو العلاء المعري) قولاً مشهودًا: [ولا تطيعنّ قومًا ما دِيانتُهم * إلاّ احتيالٌ على أخذ الإتاوات.. وإنّما حمّل التوراةَ قارئها * كَسْبُ الفوائد، لا حُبُّ التِّلاوات.. لو اطّلعتَ على مسكن رائد فضاء، أو مصمِّم صاروخ الدّفع، أو حائز جائزة (نوبل) أو فيلسوف شهير من أمثال (سارتر)، أو بطل في حرب من أجل وطنه شهد المشاهد، وشارك فيها، لوجدتَهم جميعهم يسْكنون بيوتًا بسيطةً ومحترمة، لكنْ (الڤيلاّت) هي للكذَبة من سياسيين، وحشّاشين، ومنافقين، وتجّار لا يُرْجى خيرُهم، قال في حقّهم حكيمُ المعرّة (أبو العلاء المعرّي): [عيُوبي إنْ سألتَ بها كثير * وأيُّ الناس ليس له عيوب.. وللإنسان ظاهرُ ما يراه * وليس عليه ما تخفي الغيوبُ.. يجرّون الذّيولَ على المخازي * وقد مُلئَتْ من الغشّ الجيوبُ.. يشتري (ڤيلاّ) في وطن فيه من يسكن المغارات في قمم الجبال؛ ومنهم من يسكن البراريك؛ ومنهم من يقبع في (النّوالة)؛ ومنهم من يفترش الأرض ويدَّثر بسماء تمطر بردًا وزمهريرًا.. قال [ناس الغيوان] في إحدى أغنياتهم الرائعة: [تبْني الحيطان؛ تشرب الكيسان؛ تسكن (الڤيلاّ) وغيرك (نوالة)].. أمن أجل هذا الوطن ضحّى الشهداءُ بحياتهم يا عثماني!

لم نَرَ رئيسَ حكومةٍ أو زعيمَ حزب اشترى (ڤيلاّ) بعملية (دارتْ) أو بأية عملية أخرى مشبوهة.. فهذا مثلاً [ليونيل جوسبان] رئيسُ الحكومة الفرنسية في عهد [شيراك] أيام (التعايش) بيْن يمين ويسار؛ وزعيمُ الحزب الاشتراكي الفرنسي يسكن في [Appartement] مع المواطنين إلى يومنا هذا؛ فأين هو (العثماني) صاحب (الڤيلاّ)، و(بنكيران) صاحب التقاعد وسيّارة الدولة الفخمة من سياسي مثْل (جوسبان)؟ وهذا (أدولف هتلر)، رئيس الدولة، وزعيمُ الحزب النازي، أعجبَه بيتٌ في قمة جبل مطلّ على بلدة (براوْناوس) في (النامسا)، حيث ولِد، فاكترى المنزلَ من مالكه البدوي، وبعد أشهر، أراد شراءَه ليقوم بتوسعته ليكون مقرّا للحكومة؛ فطلب ثمنَه من صاحبه البدوي الذي ترك للزعيم أن يدفع ما أراد كثمن؛ لكن [هتلر] أصرّ على أن يقولَ المالكُ البسيطُ كم يريد كثمن مقابل البيت؛ فذكَر له الثمنَ، ودفع [هتلر] المبلغ للمالِك؛ ولكن هل دفعه من خزينة الدولة؟ كلاّ! هل دفعه من عملية (دارتْ)؟ كلا! هل اقترض من أبناك؟ كلاّ! فمن ماذا دفع ثمنَ المنزل الذي صار يسمّى (البِيرْغهوفْ) تاريخيًا؟ لقد دفع (هتلر) ثمنَ البيت من إيرادات مبيعات كتابه الشهير [كفاحي] الذي حقّق أرقامًا قياسية في السوق لمْ يبلغْها أيّ كتابٍ قبْله ولا بعْده، وما زال يباع بكل اللغات إلى يومنا هذا.. لقد كان على رئيس الحكومة وزعيم (البيجيدي) أن يدفع ثمنَ (الڤيلاّ) من مبيعات كتابه الذي روّج له وهو بعنوان: (الممارسات السياسية للرّسول)، وكيف يدفع ثمنَ (الڤيلاّ) من إرادات كتابٍ لم يقرأْه أحدٌ، لا داخل المغرب ولا خارجه؟! لقد خرّبتم الدّينَ يا عثماني وأتعبتُم الأمّة!

إنّ (الڤيلاّ) التي اشتراها أو سيشتريها (العثماني) تدلّل على ثروة الوطن التي يتحكّم فيها رجالُ الدولة الذين ابتُلينا بهم؛ فالتقشّف، والفقر، والاقتطاعات، والزيادات في الأثمنة، هي كلّها قراراتٌ تُتّخَذ ضد الشعب، وهو الذي يؤدّي الفواتير الباهظة، والنّقص في الميزانية؛ أمّا البذخ، والعمران، فكلّ ذلك بسبب ثروة يتحكّمون فيها، وهم القابضون على بيت مال الأمة، وما (حدُّوثة) (دارتْ) إلاّ لعبةٌ لخداع السذج من الشعب.. فمن يتولّى المسؤوليةَ في هذا البلد، يكون بعد وقت قصير من أكثر الناس ثروةً في البلاد؛ صار الموظّفون، والعمّال، والمأجورون، هم الفقراء الجدد بسبب هذه السياسة.. شكى أهل (الشام) للخليفة (عمر بن الخطاب) الفقر، والضّعةَ التي يعيشها الرعيةُ هناك، فسافر (عمرُ) إلى (الشام) ليطّلع بنفسه على أحوال الرعية؛ فلمّا رأى [معاوية] في أبّهة الكياسرة، أنكر عليه ذلك، وقال له: [أكِسْروية يا معاوية؟] وفي بلادنا كِسْروية!



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق