هل لنا حكومة بمعنًى من هذه المعاني تستحقّ شرفَ لقبِها؟

هل لنا حكومة بمعنًى من هذه المعاني تستحقّ شرفَ لقبِها؟

2019-02-14 08:34:53

دعْنا أولًا نسأل عن معنى الحكومة لنرى إنْ كانت لنا حكومة في هذا البلد؟ فما معنى الحكومة؟ الحكومةُ بالمعنى المشخّص هي الهيئة المؤلّفة من الأفراد الذين يقومون بتدبير شؤون الدولة: كرئيس الوزراء، والوزراء، وسائر الموظّفين؛ وتسمّى هذه الهيئةُ بالسلطة التنفيذية، وهي شخْص معنويٌ له سلطةُ الأمر النّهي؛ وفي قول [مونتسكيو]: الحكوماتُ ثلاث: الحكومة الجمهورية؛ والحكومة الملَكية؛ والحكومة الاستبدادية؛ (ويلاحظ القارئُ الكريم أنه ليس هناك حكومة دينية على الإطلاق).. وإشارة إلى هذا المعنى المشخّص، له قسمان أحدهما عام، والآخر خاص.. فالمقصود بالمعنى العامّ، جميعُ سلطات الدولة: كالسلطة التنفيذية؛ والسلطة التشريعية؛ والسلطة القضائية.. والمقصود بالمعنى الخاص، السلطة التنفيذية لا غيْر، وهي الهيئةُ المؤلّفةُ من رئيس الحكومة، والوزراء، أو من رئيس الوزراء، والوزراء.. هذه هي الحكومة..

والحكومة بالمعنى المجرّد هي الحكْمُ، أو فَنُّ الإدارة، والتدبير، والسياسة، كما قوْلنا: الأصلُ في الحكومة تحقيق مطالب الشعب، ورعايةُ مصالح المواطنين، وحفْظُ حقوقهم، وكما في قوْل [مونتِسْكيو]: [كلّما كانت الحكومةُ أكثر ملاءمةً لمنازِع الشعب، كانت إلى طبائع الأشياء أقْرب]؛ وهذا الحُكْمُ إمّا أن يكون عامًا كتدبير شؤون الدولة، وإدارة أعمالها، وتوجيه سياستها؛ وإمّا أن يكون خاصّا: كسياسة الإنسان نفسه، وسياسة أهل بيته إلخ.. وسواء أكان الحكْمُ في الدولة توجيهًا لأفراد الشعب أم إدارة لأعمالهم ومصالحهم، فهو في كلا الحاليْن عِلمٌ وفنٌّ؛ عَقْلٌ ووجدان.. والآن، بعد تحديد مفهوم الحكومة، ومعرفة دورها في حياة المجتمع، وحفاظها على حقوق المواطن، وصوْن كرامته، ودفاعها عن مصالح الأمّة، فأنا أسأل القارئ الكريم إنْ كانت لنا في بلادنا حكومةٌ بهذا المعنى، وأين يتجلّى دورُها في هذا البلد؟ فهل هناك حقّ، أو كرامة، أو أقوات صانتْها حكومةٌ في بلادنا؟ فمنذ (07) سنوات والاقتطاعات تطال أجورَ الموظّفين والعمال بلا هوادة، ويُزاد في أجور الوزراء، وأصحاب المناصب العليا، ويدافَع عن تعدُّد التعويضات بلا استحياء، كما يدافَع عن تقاعد النواب، حتى لإنّ رئيسَ الحكومة اقترح ضَخَّ (500) مليار من خزينة الدولة لإنقاذ تقاعُد النواب، في وقت تتجه فيه صناديق التقاعد الخاصة بالمواطنين نحو الانهيار، وكانت هذه الصناديق هي الأولى بضخّ هذا المبلغ حفاظًا على الاستقرار، وعلى كرامة وسمعة الدولة.. ثم ماذا؟ على المكترين إضافة مبلغ (10 بالمائة) كلّ ثلاث سنوات إلى مبلغ الكراء، ووزارةُ الأوقاف تعتمد هذا القانون الظالم والجائر، ولا أحد يعرف مصدره، أهو مصدرٌ وضعيٌ أو سماوي؛ لكن وزير الأوقاف أعلَمُ بمصدره منّا..

لكنْ أين بُذّرت أموال الأمة يا ترى، وكيف وصلنا إلى هذه الحال المزرية؟ كان قطاعُ التعليم هو أول قطاع هوى إلى الحضيض بسبب (المغادرة الطوعية)، فوُزّعتِ الملايين على المغادرين على أن يتقاضوا تقاعدَهم بعد وصولهم سنّ (60)؛ فتحمّل المدرّسون ثقْل ذلك، حيث صار الواحدُ منهم (وكاتبُ هذه السطور كان واحدًا منهم) يعمل عمل ثلاثة مدرّسين، فاكتظّت الأقسامُ حتى فاقتْ (70) تلميذًا في القسم الواحد؛ فتداعى مستوى التحصيل، ووقفْنا نحن أمام الشعب في قفص الاتّهام.. وبدأتْ مرحلةُ الإصلاح الاستعجالي، وبعد ثلاث سنوات كلّفت الملايين، وآلاف ساعات الدّرس، فتمّ إلغاءُ ذلك الإصلاح بجرّة قلم، دون مساءلة مَن ألغوه.. ولن أحدّثكَ عن أموال وزِّعتْ بمئات الملايين، ولن أذكّرك بملايير بُذّرتْ في ميدان كرة القدم؛ وأخرى أُهدِرتْ في ملفّ الترشح لكأس العالم؛ وأخرى تمّ تشتيتُها بيْن مهرجانات غنائية، وليالٍ راقصة؛ وأخرى خلال مواسم، فالمغرب يعرف استنزافًا لخيراته، ويتعرّض لنزيف حادّ، وذات يوم سيصاب بسكتة قلبية قاتلة..

صارتِ المعيشةُ في (إسبانيا) أرخص من المغرب بكثير، بل حتى المحروقات رخيصة جدّا.. صار المغاربة في وطنهم وكأنّهم (غَجَر) لا وطنَ لهم، وإذا كان (الغجر) قد عانوا من ظلْم (النازية)، فإنّ المغاربة (الغجر) يعانون من (إخوانية) مَن تمسَّحوا بالدّين، وبه دوّخوا، ونكّلوا، وأكلوا خيرات البلد الذي فيه (36) حزبًا فاشلاً؛ و(40) وزيرًا؛ على رأسهم رئيسُ حكومة صوري يسير بالأمة نحو هوة سحيقة.. يتحدّثون عن المغرب الأخضر، والخضر نادرة في الأسواق، يفوق ثمنُها القدرة الشرائية للمواطن.. يتحدّثون عن الصيد البحري، والصيد البحري له مُلاّكُه.. ويتحدّثون عن الكهرباء والماء، وهو قطاعٌ تتحكّم فيه مافيات أجنبية بواسطة الخوصصة، تبيع بما تشاء للمواطن في وطنه، وهذا استعمار اقتصادي بغيض.. يتحدّثون عن الصحة، وقد أمست المستشفياتُ مراكزَ جَلْدٍ وقتلٍ، الداخل إليها مفقود، والخارج منها ميّت، والتلفزة تروّجُ للأضاليل، وترفع من شأن من أتعبوا البلادَ، والعبادَ، والأولادَ، وكذلك الأحفاد.. هل يُعْقَل أنّ دولةً أنجزتْ طرقًا سيّارة، وقُطرًا سريعة تفوق سرعتها (400) كيلومتر في الساعة، وأرسلتْ أقمارًا صناعية خارج الغلاف الجوّي، وتبني الآن أعلى بُرج في إفريقيا، ولها كذا مصنع لتركيب السيارات، ومصانع أخرى خاصة بقطَع غيّار الطائرات، وعلى أرضها أناس ما زالوا يعيشون في المغارات في جبال الأطلس؛ وآخرون رُحَّل، وآخرون مشرّدون، سوف يلتحق بهم متقاعدون انحدروا إلى مستوى الفقر المدقع؛ كلّ ذلك بسبب الزُّمَر الذِّئبية المنقضّة على خيرات البلاد، وعلى رقاب أبناء المغرب العريق؛ المغرب بلد النبلاء؛ المغرب بلد القيم والأخلاق والكرامة؛ المغرب بلد الخيرات التي لا تعدّ ولا تُحْصى.. ياه!



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق