الكتلة التاريخية بين الفكرة والبدعة

الكتلة التاريخية بين الفكرة والبدعة

2016-10-26 11:51:58

درج بعض الباحثين الموالين للعدالة والتنمية والمتقمصين الصفة الأكاديمية لتبريرات هاجسها دوافع مصلحيه، غايتها الاستفادة من الغنائم الحكومية على حساب الأمانة العلمية، إلى قراءة نتائج الانتخابات قراءة سطحية اختزالية في محاولة لإيجاد مسوغات نظرية، من قبيل الحديث عن كتلة تاريخية. 

فور صدور نتائج انتخابات 7 أكتوبر 2016، برز انجذاب كبير لمفهوم الكتلة التاريخية، التي تجسد في نظرهم مواجهة للتحكم، عبر تحقيق وفاق سياسي يجمع بين أحزاب الكتلة الديمقراطية والعدالة والتنمية، هؤلاء الذين ينتحلون الصفة العلمية لبلوغ مآرب شخصية، لا يملكون حسا نظريا وجرأة فكرية على الإجابة، هل يكفي تحالف الكتلة الديمقراطية والعدالة والتنمية لترسيخ الخيار الديمقراطي، وفق ما تقتضيه المرحلة؟

إن حجم المأزق يتعدى التحالفات تحت شعار محاربة الفساد والاستبداد، ولتقوية المؤسسات والانسداد الديمقراطي، الذي برز  بالخصوص في المنحى الأبوي لتأويل النص الدستوري من قبل بنكيران، و اعتماد فصيل سياسي على تقديم أجوبة شعبوية توضح حالة الانغلاق التاريخي، من خلال عقلية لا تمثل سوى واقع الإرجاء، والكفّ عن مساءلة الواقع السياسي المضطرب.

وهنا سنحاول إظهار واقع الأزمة البنيوية العميقة الجذور التي يتغافلها هؤلاء في سياق المفهوم وتجلياته وفق الطرح الذي صاغه كل من أنطونيو غرامشي والأستاذ الراحل محمد عابد الجابري؛ ومحاولة إسقاطها على واقعنا الحالي. 

طرح الكتلة التاريخية من قبل «انطونيو غرامشي»، للإجابة عن واقع إيطاليا التي عرفت الانقسام بين الشمال والجنوب و مواجهة الفاشية، هي تحديات حاول غرامشي الإجابة عنها، إذ أن واقع الانقسام افرز تباينا في النمو بين الشطر الجنوبي: التي  عرفت هيمنة القوى المحافظة  المتمثلة في الكنسية، و الذي افرز التخلف، بعكس  الشطر الشمالي، الذي ُسير من قبل القوى الحداثية و شهد ازدهارا اقتصاديا.  

إن الكتلة التاريخية، طُرحت نظريا، بغية إحداث التغيير وبلورة وفاق وطني عبر  تجميع  كل النخب، باعتبارهم  حلقة الوصل بين البنية التحية ( الجماهير الشعبية)  والبنية الفوقية  (النخبة الحاكمة)، غايتها تكتل القوى التقدمية الشمالية و القوى المحافظة في القسم الجنوبي في شكل كتلة تاريخية، تحقق مصالحة تاريخية لمواجهة  الفاشية و توحيد ايطاليا على أسس ديمقراطية.

و هنا يتضح انه وفق التنظير الغرامشي إن الوضع السياسي المغربي الحالي لا يعرف نفس السياق ولا نفس التحديات.  

أما مفهوم الكتلة التاريخية مع الأستاذ «محمد عابد الجابري»، فقد عرف تحولا، بين مرحلتين:

حيث في المرحلة الأولى كان منجذبا ببدايات الثورة الإيرانية، غير أن  مآل التجربة الإيرانية جعله يحين المفهوم ، بحيث اتجهت التجربة الإيرانية إلى الانقلاب على الديمقراطية و إقصاء القوى  التقدمية،  وتم تأسيس  دولة دينية، هذا الانقلاب حتم على الجابري إعادة مراجعة مفهوم الكتلة التاريخية المنشودة، مؤسسا لمرحلة ثانية في تناوله للكتلة التاريخية، جاعلا ركيزتها هي المصلحة العامة أو المصلحة الموضوعية الواحدة، بمعنى تجميع كل التيارات السياسية المتواجدة داخل المجتمع والتي لها عمق شعبي، من أجل  تحقيق ما سماه بالمصلحة الموضوعية، و التي تمثل حقوق المستضعفين وحقوق الأقليات وحقوق الأغلبيات الخ. هذه القوى لا تتواجد في بنية الدولة، الشيء الذي يصعب مسألة تحقيق مجتمع متضامن يؤسس لمصالحة  تاريخية  بين كل التيارات المتواجدة في المجتمع لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي واستمرار الدولة. 

إن تجربة عبد الإله  بنكيران التدبيرية خلال الولاية الحكومية السابقة أظهرت أسلوبه في إقصاء المخالفين، ونهجه التأويل الأبوي للدستور، واتخذ من الفساد قوتا إعلاميا،  إذ حول سنواته التدبيرية إلى حملة انتخابية متواصلة، وجعل من الاستحقاقات الانتخابية ، معركة وجودية تجاه باقي زعماء المعارضة، الأمر الذي أجج الصراعات حتى بلغت العنف اللفظي، مما افرز مسخا سياسيا وبؤسا نخبويا، ومعارك بين قيادات تفتقد  لمشروع ورؤى اجتماعية، وتحولت لمعارك شخصية، و استفاد بنكيران من قوة العزوف الانتخابي، لكون كتلته الناخبة قارة وتصوت على أساس ديني وليس تدبيري.

تجربة بنكيران التدبيرية وسلوكاته النفسية لا تؤشر بكونه الشخصية القادرة على تحقيق  شروط الكتلة التاريخية التي ناشدها الأستاذ محمد عابد الجابري، فشروطها وفق نظرة تفاؤلية  لم تنضج بعد، لأن سلوك المهادنة الذي يتجه له حزب العدالة والتنمية ليس بقناعة إيديولوجية، بل إن المناخ الإقليمي هو ما يدفعه لذلك، فما  حدث إقليميا وخصوصا في مصر، حتم عليه المهادنة وإظهار التحاور والميل للتوافق مع باقي الفصائل السياسية، وهو توافق يسعى له مرغما لضرورة تشكيل الحكومة وفق النتائج الانتخابية. أكثر من كونه قناعة سياسية راسخة.

ان مفهوم «الكتلة التاريخية» مفهوم مفارقً للواقع السياسي المغربي، لكون الدستور حسم مع مسألة إسلامية الدولة وزمنية الحكومة.  كما أن تكريس الديمقراطية يعوقه عدم إيمان الأطراف السياسية بالعلمية الديمقراطية، وغياب القيادات السياسية الواعية والمسؤولة، ويزكي ذلك اندلاع الانتهازية المقيتة التي تقف حائلا دون الوضوح القيمي، فالخيار الديمقراطي كمكتسب دستوري، يحتاج لبنية تحتية تشكل منعطف للتحول من دمقرطة الدولة الى دمقرطة المجتمع، يكون أساسه مؤسسات قوية و متوازنة، بعيدا عن الرؤى التبسيطية والردود الانفعالية، فالديمقراطية هي مهمة شاقة وعسيرة، ومسار طويل تحفه الصراعات والتحالفات والتوازنات التي قد تنتهي بإرساء دعائم الحياة الديمقراطية.

و الحديث اليوم على كتلة تاريخية مع دستور الخيار الديمقراطي، هو حديث عن تجمع حزبي ينهل من التاريخ والمشترك، بدون رؤى مستقبلية ولا وضوح قيمي، وهو واقع يحتاج دراسات موضوعية رصينة للمضي قدما، لأنه يجسد  حالة الركود والسبات التاريخي التي قبع فيها المسار الديمقراطي المغربي ويبقى الحدث الأبرز، والإنجاز الأهم خلال السنوات الخمس الأخيرة، هو عودة الجماهير إلى السياسة، وانخراطها في الفعل السياسي، وذلك بمعزل عن النتائج الانتخابية، فعلمية  "تسييس الشعب"، تشكل محرك بناء المشروع الحداثي ، و ترسيخ الحداثة يتطلب أولا “تسييس الأكثرية الساحقة ورزقها بسيكولوجيا نضالية وتصفية روح العزوف السائدة في صفوفها.

و يبقى السؤال الأهم حاليا هو كيف يمكن إفراز قيادات  جديدة متحررة من عقد الماضي، تكون حاضنة لانشغالات جيل صدمة التحديث؛ قادرة على توفير الحمولة السياسية لانشغالات القوات الشعبية، قيادات لها الحكمة والمعرفة والجرأة لتتبنى  خطا سياسيا واضحا غايته ممارسة السياسية بعيدا عن الأحقاد، يكون هاجسها ، تكريس القيم  الكونية التي لا تتعارض مع  المفاهيم النبيلة للثوابت الوطنية،  فالأمل معقود إذن على السنوات القادمة، في رفع منسوب التسيس هذه هي الأرضية الصلبة، التي من  ممكنا البناء عليها.



صاحب المقال : لزرق رشيد
إظافة تعليق